عدم إدراك تحول الشعبوية.. إلى شمولية ذي جوهر فاشي... خطأ مميت...(4)

خرافة "النواقص"...أو تعبيد الطريق للحكم الشمولي ذي الطبيعة الفاشية....

فكما قلنا من قبل فإن عدم عمل حكومة التأسيس للحبيب الصيد على تفعيل الدستور إثر سنه...لا يجب أن يحجب النظر عن بقية المسؤولين...ولو ان مسؤوليتها كانت الجسيمة. فالمسؤولية جماعية ولو بدرجات مختلفة.. وقد كان على الجميع السعي في تفعيل دستور الثورة...حكما ومعارضة... ومجتمع مدني لتأسيس ما سمي بالجمهورية الثانية...والحيلولة على الأقل بدرجة مهمة دون رجوع الإنفراد بالحكم والإستبداد…

لكن لا أحد من هذه الأطراف الثلاثة يمكنه أن يتنصل من مسؤوليته في عدم العمل على تفعيله...لا اليوم...ولا أمام التاريخ...ولو ان المسؤولية الرئيسية تعود كما قلنا لتلك الحكومة ولخليفاتها في الحكم لأنهم كانو أصحاب القرار الأهم حسب الدستور…

وللمحاسبة التاريخية وتحديد المسؤوليات...وهذه مسألة خطيرة لا يذر الرماد عليها سوى من لا يؤمن بقيم المواطنة والديمقراطية وقيم الجمهورية، ولو استعملها في خطبه...لأن الممارسة وحدها تبين الغث من السمين... فالمعارضة التي اكتسبت حق المعارضة في البرلمان بفضل ذلك الدستور.. وتحصلت على حقوق دستورية صلبه وبالقانون الداخلي للمجلس...وترشحت هي أيضا نظريا للعمل على تفعيله علاوة على برامجها الإقتصاديّة والاجتماعية...فتلك المعارضة لم تضع في أولوياتها تفعيل الدستور في فترة التأسيس...بل سقطت في التجاذبات السياسية والسياسوية والحسابات وحتى في الخطب الغوغائية!!

وكل ذلك كان أساسا حول السلطة... أو المسائل الإقتصادية والاجتماعية.. وهذا مهما كانت توجهاتهم...ومسؤوليتهم بينة.. فكم من خطاب سمعناه في المجلس أو في الإعلام...يطالب حكومة الصيد بتفعيل الدستور...ويحتج عليها لتقاعسها... ومناوراتها على تفعيه؟ وكم من سؤال وجه للحكومة كما يسمح به النظام الداخلي يقيم ما فعلته وما لم تفعله..ويطالبها ماذا ستنوي فعله؟

وكم قدمت المعارضات المختلفة من مشروع قانون لتفعيل الدستور؟... والحال ان هذا الدستور والنظام الداخلي للمجلس يسمح لها بتقديمها!! وأليس من دور المعارضات في المجالس النيابية المنتخبة تقديم مشاريع القوانين؟ وسيسجل التاريخ انهم قدموا للناخبين الذين وضعوهم في موقع معارضة السلط الحاكمة في تلك المرحلة التأسيسية شيئا آخر...تتخلله العنتريات بالخطابات الخطابية...وحتى الخطابات الشعبوية!!!

أي نعم!!..لقد كانت خطب العديد منهم بدون مقترحات جدية... بل كانت شعبوية ورنانة...وهدفها الأساسي إما السعي للمحافظة على المواقع في السلطة وأجهزة الدولة... أو "لفضح" الحكومة للعموم...وكأن هذا العموم لا يعيش نتائج سياساتها وحتى ينتشي بها مناضلوهم ويرضون عليهم...فيصفقون لأنواتهم...ومتناسين أو غير مدركين أن الفئات الإجتماعية المتضررة من سياسات الحكومات المتعاقبة تنتظر منهم وحتى في المجال الإقتصادي والاجتماعي برامجا وبدائلا جدية وقابلة للتتفيذ وتعطيهم أملا في المستقبل...ولا فقط في الدفاع عن حقوقهم المادية والسياسية..

لكن وهذا انكشف للجميع بعد الإنقلاب على هذا الدستور ذات 25..وخصوصا بعد صدور الأمر عدد 117 المشؤوم الذي حذف الدستور بجرة قلم...فقد كان بعضهم في نفس الوقت من بين الذين لا فقط لا يهتمون بالدفاع عن تأسيس الجمهورية الثانية الديمقراطية، بل ناورو على تأسيسها "بالتنظير" الثورجي…بأن المهمة الأساسية الوحيدة المطروحة على المعارضة هي الدفاع عن الحقوق الإجتماعية دون سواها...وكأنه ليس هناك ترابط بينها والحقوق المدنية والسياسية...وكأن الدفاع عن المكاسب الديمقراطية والمحافظة عليها من الانتكاسات، بل والعمل دائما على مراكمتها في دولة قانون ديمقراطية…ليس ضروريا لتمكين الجماهير الشعبية العريضة من النضال السلمي الجماهيري من أجل حقوقها الإجتماعية والإقتصادية!!!

وهو "تنظير" جوهره شمولي...لأنه يعنعن نظرة شمولية قديمة متجددة في العالم اليوم... ولم نجدها إلا لدى الأنظمة المستبدة بشعوبها ... وقد وجدت منها مشطرة عندنا في تاريخنا...مثلا لما قال بورقيبة ان الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي هو الهدف الوحيد...ولا حاجة للشعب بالديمقراطية... وهي موجودة في الدعاية الخشبية لدى كل نظام استبدادي...وكل فكر شمولي مهما كانت خلفيته الأيديولوجية…

وهذا الموقف الخطير على حقوق الشعوب يتطور اليوم في مختلف القارات في الدول الديمقراطية باكتساح الشعبوية مواقعا لدى جزء من الرأي العام...وتغذيه عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة، الأنظمة الشمولية الفاسدة من مختلف المشارب والمستبدة بشعوبها...في إطار الصراع العالمي بين الفكر المواطني الديمقراطي التقدمي الحديث وفكرها الرجعي الشمولي...و لديمومة سيطرتها على الحكم في بلدانها ...حتى لا تثور شعوبها عليها في ثورات مواطنية جماهيرية من أجل حقوق المواطنة والحريات...كما حصل أخيرا في إيران…وقبلها في الجزائر.. الخ..

وبالنسبة لهؤلاء الثورجيين بالجمل الثورية....الذين كشفوا أخيرا عما يضمرونه حقيقة ضد حقوق المواطنين وحريتهم...لما ركبوا في العربة الأخيرة لقطار الإنقلاب على دستور يأسس لجهورية ديمقراطية ذات توجه اجتماعي...ومهما تدثروا به من انتماءات يسارية او قومية او ديمقرطية او إسلامية...فهم لا يختلفون جوهريا عن بعضهم البعض...حتى لو أختلفو في المنطلقات الأيديولوجية…

فهم يشكلون اليوم مع المنقلب على الدستور ومن معه...العائلة الشمولية للثورة المضادة...التي خربت وقتيا مكاسب الثورة...والتي أظهرت الانتخابات للمجلس النيابي الإنقلابي أنهم جميعا "وفي قلب بعضهم" لا يمثلون سوى عشر الناخبين...على خلاف ما اعتقد الكثير ويروجونه...بسبب النشاط المكثف للذباب الإلكتروني... فشكرا للمنقلب على فضحهم...بعد أن تستروا "بالثورية" طيلة عقود... ولو بدون قصد منه...ههه…

وطبعا كذلك لا يجب التستر على مسؤولية البقية...أثناء فتره حكومة التأسيس للحبيب الصيد..

يتبع

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات