من حكاية صغيرة وسخيفة إلى الحكاية الحقيقية

أمس، جلست في مقهى، حيث "أكلنا الذبان" أكلا، الناس حولي كلهم يهشون الذباب، تحس أن في سيقانه لصقا يجعلك تحس ثقلها حتى في شعرك فما بالك بعينيك وطرف فمك: شيء مقرف وخوف من الأمراض حين ترى تراكم الزبالة في كل نهج ومفترق، القهواجي يضمن لك القهوة لكنه لا يحميك من الذباب، حكاية سخيفة وصغيرة؟ نعم،

لماذا ينتشر الذباب في المدينة؟ بسبب كثرة الأوساخ والرطوبة والحرارة التي تسمح له بالتناسل المضاعف، لماذا تتكاثر الأوساخ في المدينة؟ لعجز البلدية عن التنظيف منذ تفكيك المجالس المنتخبة التي كان في مقدورنا "خنقها" حين تقصر في وعودها أو واجباتها، المفروض أن التدبير الحر للشأن البلدي يقوم على توفير المداخيل لإنفاقها في أولويات الحاجات اليومية على الأقل؟ لا مش صحيح؟

في الأصل، يقوم التدبير الحر للبلدية في الشأن المحلي على برنامج وعود لخلق مداخيل والحرص على تحصيلها وإنفاقها في المصلحة العامة، بالنظر إلى حجم انتهاك الرصيف وحده، ثمة ثروة تضيع على المدينة من تمدد التجار والمقاهي على الفضاء العام، لكن الدولة أعادت البلديات إلى "الوظيفة" المركزية لوزارة الداخلية حيث ليس هناك وعود ولا مخطط، فقط موظف برتبة كاتب عام يصرف "الشؤون" وقتيا، ينقل من أية إدارة عمومية فجأة إلى البلدية وينقل منها بنفس الفجأة، ضاعت حقوق البلدية في فضائها واكتسحت المقاهي والمطاعم والسيارات الأرصفة وضاعت الحياة المدنية، وضاعت المحاسبة على الوعود،

يفترض أن تتعهد البلدية ذات التدبير الحر بتنظيف مجالها وأن تساعد ديوان التطهير والماء والكهرباء في صيانة شبكاتها، لكن كلها تقر بعجزها المركزي عن صيانة شبكات متهالكة لم يعد أحد برنامجا لصيانتها أو حتى لحمايتها.

أعيش في مدينة يعتبرها أصحاب الشاحنات العملاقة ذات 18 عجلة أفضل مأوى مجاني محمي لذلك يفرضونها على حراس الإقامات، عندنا سائق شاحنة جبارة حطم رصيف الإقامة على طول 30 مترا ثم انتقل مؤخرا إلى الرصيف المقابل ليضع فوقه 20 طنا إلى أن يذهب هباء، فيما يفترض في كراس الشروط أن تكون لهذه الشاحنات الجبارة مآوي خاصة بها وأن تمنع البلدية دخولها إلى المنطقة السكنية على طرقات لم تهيأ أصلا لتحملها، في الرابعة فجرا، تبدأ كلها بتشغيل محركاتها الجبارة تحت غرف نوم الصغار والمرضى في الإقامات حتى تسخن وتجمع الضغط الهوائي الضروري لانطلاقها، من يهتم؟ ومن يستمع لك أصلا؟ أنت مجرد "مواطن".

وزارة الداخلية، وزارة كل شيء من بطاقة التعريف إلى جواز السفر إلى شهادة الإقامة إلى الـ s17 في الحدود، عندها ميزانية ضخمة وجيشا من الموظفين وألف ميت تبكي عليه، الخلاصة: يعني ليس عندها فلوس لتعويض وعود المجالس المنتخبة بإصلاح ما فسد من الطرقات أو الأضواء أو إقامة النظام العام، النهاية: لنذهب إلى الجحيم،

كلها من حكاية الذبان، حكاية سخيفة

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات