الأثناء، المؤسف أننا مثل السردوك

نحن، الشعب التونسي من أكثر خلق الله تدخلا في ما لا يعنينا، هذا على ذكر التعليق المفرط كمّا ونوعا على رحيل "الأمير الوالد" كما يسميه القطريون،

خلونا من هذيان المرض الأيديولوجي من نوع "قطر الإخوانية تمول الإرهاب في تونس وتريد احتلالنا، قطر هي يد الصهيونية عبر الربيع العبري والحركات الإرهابية" وهو ما يقوله لي زميل قديم من اليسار القومي دون أن ينتبه إلى الدول العربية المتحالفة مع إسرائيل في قصف الفلسطينيين وتشريدهم، يحتج على قطر بأنها "مملكة ليس فيها حقوق ولا نقابات ولا أحزاب ولا حريات"، هو يرفض تقبل أن الفلسطينيين الذين هم أدرى بشؤونهم يعتبرون "الأمير الوالد" حليفهم الأكبر في مأساتهم وهو الوحيد الذي غامر بزيارتهم في محنتهم، ورغم أن الحريات مسألة كونية لا نقاش فيها، فإنه ليس علينا نحن التونسيين بالذات أن نعلّم القطريين كيف يعيشون أو ماذا يريدون،

وأي تونسي ذهب هناك يقول لك دون تردد أن ما حققه المجتمع القطري من حسن الحوكمة هو حلم بعيد المنال لعدة شعوب عربية وأوروبية، وهي ليست فقط تطورا حضاريا مذهلا أو حالة أمن وسلم عام تحسدها عليها أعتى الديموقراطيات أو إشباع الرغبات الاستهلاكية وتوفير الخدمات، بل أيضا الثقافة واحترام حقوق الإنسان وخصوصا تطبيق القانون بعدالة على الجميع دون استثناء، حيث صفر سرقة وصفر إفلات من المحاسبة، تستطيع أن تضع هاتفك ذي 5 آلاف دولار في الطريق وتعود إليه في الغد،

فيما نحن، يقتل الإنسان بطعنة غادرة من أجل هاتف بـ 100 دينار في جيبه وهذا ليس عائدا إلى الإفراط في استعمال الأمن أو القمع، إذ أني لم أر شرطيا قطريا في الطريق أبدا، الناس لا يحتاجون ذلك في مجتمع عادل، ثمة عقد اجتماعي لعدم المساس بالنظام العام والحكم، الناس يحبون نظامهم، فهل طلبوا منا أن ندبّر لهم أمرهم؟ أم أن الإضراب وإشعال العجلات وإغلاق الطرقات هي هواية وإدمان؟ حين تذهب إلى قطر، تدرك أنها ليست مسألة فلوس، ليبيا أيضا ثرية جدا بالنفط الجيد والعراق كذلك، لكنهما لا تقدران على توفير الكهرباء بشكل مستمر لمواطنيهما دون اعتبار تفشي الفقر وغياب الأمن بشكل مفزع، ليست مسألة فلوس، بل مسألة مشروع مجتمعي، لقد خصصوا نسبة مطلقة لتطوير مجتمعاتهم وجلبوا أفضل الكفاءات في كل المجالات،

لو سألت عشرات الآلاف من الأجانب العاملين في قطر بما فيهم حراس المتاجر عن "تكوين نقابة للدفاع عن حقوقهم" فسوف يسخرون منك، لأن كل حقوقه مضمونة من حيث المبدأ وحيث لا أحد يخشى أن يستعمرهم الأفارقة أو يغيروا تركيبتهم الديموغرافية مثل الهوكش المحتقن عندنا الذي يكشف عن عنصرية بغيضة ويرى أن أزماته سببه المهاجرون الأفارقة وليس سوء الحوكمة وغياب مشروع مجتمعي سليم،

لنعد إلى رحيل المرحوم "الأمير الوالد"، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، أفضل ما قرأت عنه كتبه الدكتور جراح القلب ذاكر لهيذب أنه هو الذي مول بناء مقر كلية الطب بتونس بـ 14 مليون دينار أواخر التسعينات، ما لا يقل عن 100 مليون دينار حاليا، لكن من يذكر ذلك في مقابل "لا تركيا ولا قطر الإرهابية"،

قطر كان عندها مشاريع ضخمة لتونس في إطار التزامها بدعم ثورات العربية من أجل الكرامة، أتحدث هنا كصحفي اطلعت على برامج تمويل ومساعدات مالية مذهلة، بالنسبة لجهاز قطر للاستثمار، 20 مليار دولار ليست مبلغا كبيرا، لكنه كان يكفي لتحقيق الثورة الاقتصادية في تونس بتمويل أكثر مشاريع الاستثمار طموحا، ليس فيها أي ضغوط أو شروط سياسية: فقط هاتوا خبراءكم ليتحدثوا مع خبرائنا، أجبنا عليها إعلاميا ونقابيا بـ "لا تركيا ولا قطر"، فراحت علينا،

في الأثناء، المؤسف أننا مثل السردوك، يؤذن ورأسه في الزق، ونريد أن نعلم الناس كيف يصبحون مشابهين لنا،

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات