الآن، سندخل حديثا في حديث إلى أن ننتهي إلى مشاعر الكآبة والإحباط السياسي والمرسوم 54، حاشاكم: تعالوا أحكي لكم حكاية من أقل من عام، في قرية صغيرة في ريف شمالنا الغربي الحزين،
"ماهو" واحد من أقاربنا، استفاق فجرا على المأساة الأكثر ألما في ذلك البرّ: 31 بين نعاج وخرفان اختفت في الليل من المراح. واضح: ثمة عملية سرقة محترفة ومنظمة، أول شيء العودة إلى تقاليد القرون القديمة: صاحب الغنم "يطلق الغاوث" في الفجر، "يغوّث" أي يطلب الغوث للنجدة من الأهل والجيران، يقال في المثل: "ما جاء الغاوث من الدشرة كان الزوارين اتخذت". لحسن الحظ، ما تزال النجدة و ما يزال في هذا الجيل من يقصّ الجرة ويفهم في الأثر وانطلقت رحلة الملاحقة في الفجر تحت المطر والرعود وفوق الطين والأودية الحاملة…
أول علامات الإحباط أنهم لم يفكروا في "الحاكم" في زمن اتصالات الجيل الخامس G5 وكاميرات المراقبة والدرون والأقمار الصناعية والردارات ومراقبة الهواتف الجوالة، 31 خروفا أو نعجة راهي ثروة؟ عولوا على أنفسهم وعلى التعاطف الغريزي بين الفلاحين والعودة إلى علومهم القديمة في الفراسة لتبين مصدر اللصوص واقتفاء أثر "الخيّان"، جمع خائن وهو الاسم القديم للصوص المواشي، هل هي عودة الناس إلى النظام الأصلي حين يفقد الناس الأمل من فاعلية الدولة؟ من يسأل عن دور الدولة وقتها؟
أنا جلست إلى الكثير منهم مذهولا برواية ملاحقة اللصوص ذلك الفجر الممطر خصوصا حين بدأوا مع الوقت يعرفون هويات اللصوص ويتوقعون قتالا معهم، وقد ندمت، لنقل أسفت، لأني لم أصور تلك الجلسات العفوية عن البطولة الإنسانية الفردية الصغيرة في مواجهة الفوضى العمومية لأحولها إلى قصة وثائقية عن محنة سرقة الأغنام في برّ تونس، الشيء الوحيد الذي استفاد فيه أولائك المتطوعون من الحضارة هو الهاتف الجوال: "كلم فلان وفلان وقول لفلان يجيب الكلاب ويجي توه"، استجابوا وانطلق تسعة رجال مع كلاب مختصة في الرعي وتشمم روائح الأغنام في قص آثار القطيع المسروق في الجبل، يجب أن تعرفوا أن كلاب الرعي تربّى مع القطيع فتعرفه نعجة نعجة وخروفا خروفا حتى تقدر على إعادة الخرفان الضائعة إلى أصحابها. عندنا قصص لا تصدق عن كلاب الرعي في البقاء مع القطيع إلى حد الموت جوعا،
كان سباقا منذ الفجر ضد الزمن قبل أن يصل اللصوص إلى الطريق المعبدة حيث لا شك تنتظرهم شاحنة ضخمة مدربة على الطرقات الخفية هربا من الدوريات لنقل 31 خروفا إلى مكان بعيد،
المفاجأة أن اقتفاء أثر القطيع وإصرار كلاب الرعي لم يتوقف عند الطريق الوطنية المعبدة، اللصوص لم يعولوا على شاحنة على الطريق عند الخروج من الجبل بل إلى أرض أخرى، تتبع الجماعة الأثر حتى تجمع سكني ريفي معروف، وهناك انتهت علوم البشر عند مجموعات معروفة بالعنف، لا يخيفها الأمن ولا الدولة ولا القضاء، خصوصا وأن اقتفاء الأثر ليس دليلا قانونيا، المحاكم التونسية لا تملك خبراء في اقتفاء أثر النعاج التي ذهبت إلى هناك، "نعاجك عندها بصمة في أقدامها على الأرض؟"، عندك دليل؟ برى اشكي، يا من حيا؟
في المقاهي، 31 نعجة وخروف عند فلاح صغير توجع إلى درجة الموت كمدا، حوالي خمسين ألف دينار، رأس مال حقيقي ومعنوي وعاطفي في الريف مثل مليون دينار في المدن، خصوصا حين تعرف أن مربي الأغنام لا يعرف الراحة في الآحاد ولا الكونجي ولا العيد، لذلك، لا شيء غير التعزية، عاد الناس إلى القيم الأصلية قبل اختراع الدولة فتبرع كل واحد بما يقدر عليه: نعجة، علوشة، خروف في محاولة للتعويض عن المأساة، قديما، عندما يتعرض أحد صغار الفلاحين لسرقة قطيعه، إما أن تكون له رجال وينتقم وإما يموت حسرة، عندما لا تكون هناك دولة،
من هنا يبدأ الإحباط والمشاعر السياسية والمرسوم 54 و"اتلهى بروحك وما تكبرهاش"، وإلا يا عميل فاسد تحصل على أجرك من الخارج،