من حيث هي ثورة، هي وقعت محاولة ثورة في تونس

من حيث هي ثورة، هي وقعت محاولة ثورة في تونس أنا رأيتها في وجوه كل التونسيين الذين اخترعوا النظام العام التلقائي في غياب الدولة وأعوانها والمبادرة بمساعدة بعضهم وتقديم العجوز والمرأة الصبي في صف الكوشة رغم ندرة الخبز وحراسة أحيائهم وإكرام أعوان الجيش والشرطة والحرس بصفتهم أبنائنا الذين لا ذنب لهم في جرائم النظام العام والمتمعشين منهم، كان ثمة شيء يتغير في علاقتنا بالدولة التاريخية الظالمة وتراجع أعوانها عن التعسف في حقوقنا، إنما هي محاولة أجهضت بدعم عربي دولي سخي لتحويل الفكرة في حد ذاتها إلى رعب وفوضى ودماء وإرهاب لكي لا يتم "إفساد بقية المجتمعات العربية" التي تتساءل حتى اليوم "ما معنى حرية؟"، سيمر وقت طويل قبل أن نشفى من "تسمم الفهم" لكي نعالج ما حدث بموضوعية ومن فعل ماذا، إن تسمية ما حدث بالعشرية السوداء ليس سوى تورية على الاسم الحقيقي: عشرية تسميم وتزييف الفهم والوعي العام وهو ما تريده القوى المحلية والإقليمية،

لكني أعتقد أن أخطر ما حدث كان مفهوم العدالة الانتقالية، اقتداء بكل المجتمعات التي سبقتنا في معالجة أضرار القمع من أجل لا يتكرر في علاقتنا كمواطنين بأعوان الدولة وأجهزتها وبالقضاء، لكن العملية أجهضت وتم الانتقام من كل من دعا إليها أو تعاطف معها، حتى إن صدرت أحكام قضائية باتة ضد بعض أعوان الدولة فقد تم تعطيل تنفيذها وانتهى الأمر.

لكن حسب رأيي البسيط، الخطر الحقيقي كان داخليا، سأفاجئكم: حين تقدمت كتلة "ائتلاف الكرامة" بالبرلمان بمبادرتين تشريعيّتين جديدتين، تهدفان لفصل الأمني عن الإداري أي الحالة المدنية من خلال جعل استخراج جواز السفر العادي من مهام البلديات والقنصليات وجعله لمدة عشر سنوات، واستخراج البطاقة عدد 3 من محاكم النواحي والقنصليات، مع تحجير حرمان أي تونسي من حقه في استخراجهما"، (إذاعة موزاييك بتاريخ 2020/05/15)، أعرف أن مجرد نشر هذا النص عمل قبيح ضد الواقع والتاريخ، استفزاز للدولة العميقة الحقيقية التي تحكمنا تحت شعار "أشبيك متقلق؟ كان ما عملت شيء توه تروح؟"،

أيا كانت خلافاتك الفكرية أو العقائدية مع ائتلاف الكرامة، كان المقترح دستوريا رائعا مثيرا للدهشة والإعجاب خصوصا أنه لا أحد اقترح ذلك غيرهم، لا منظمات حقوق الإنسان ولا الأحزاب، لا أحد تجرأ على الاقتراب من "'الدابة المقدسة" وهذا الموضوع المحرم الذي انتهت منه أغلب الديموقراطيات الحديثة منذ زمن بتحويل "الداخلية"، وزارة سلطة كل شيء في عالمنا المتخلف إلى وزارة الأمن الداخلي فقط: مراقبة النظام واحترام القانون في الفضاء العام وتنظيم المرور مع تطوير شرطة البلديات وإلحاق كل فرق التحقيق الأمني بوزارة العدل تحت سلطة القضاء انتدابا وتدريبا وتوظيفا وأهدافا والتزاما بقرارات القضاء، الذي حدث منذ عام 2020 هو "هروب" كل السلط المحلية إلى الداخلية بحثا عن السلطة والحماية التاريخية لعبارة "زميل" في ظل تغول النقابات الأمنية، أين هي الآن؟ أي ثمن تلقوه مقابل اختفائهم؟

كان المقترح جريمة عظمى لا تغتفر مثل الكفر في مكة، لقد انتقموا تماما من كل من فكر أو قدّر أو ساهم في تقديم تلك الفكرة الخطيرة على توازن الاستعمار ومنه محاولة تفكيك منظومة المنع والاستشارة قبل السفر S17، اذهب الآن للبكاء عليها بعد أن تعسفت على آلاف الطلبة والشباب المهاجرين،

كل ما تلا ذلك بعد شهر ماي 2020 كان قرار إنهاء الثورة والانتقال الديموقراطي كان بأيدي التونسيين وفق اتفاق مصالح غير معلن بين الدولة العميقة الحقيقية ورهان المصالح الدولية على أن العدالة والديموقراطية والحريات والحقوق في العالم العربي شيء "كخة" خبيث وشرير شيطاني إرهابي، يجب أن يقف الفقراء ممن ليست لهم معارف ولا حيثية في الصفوف المضنية في انتظار خدمات الدولة ويمر ذوو المعارف والعلاقات بلا صف انتظار وأنه لا يليق بالعرب إلا القمع والصفوف وغموض الانتظار يوافق أعوان الدولة أم لا، النتيجة رأيتموها في حرق 75 ألف شخص مغربي في ساعات عبر البحر إلى مجرد محمية إسبانية في أرض مغربية، قال أحدهم إن " البحر أقل رعبا من اليابسة"، إن وضع القدم على أرض أوروبية يسوى أكثر من أي حلم شرعي على أرض الوطن لطبيب أو مهندس صانع ثروة، اليابسة هي الوطن، الأم، الأرض والذكريات، المدرسة والطفولة وحب المراهقة الأولى، أي ثمن لها مقابل البحر والهجرة الغامضة الخطيرة؟

ليس هناك أحلام ولا ثقة في مستقبل الوطن بهذا الوضع، أنا أكتب هذا لايماني أن حالات الهروب ستكرر لكي يتركوا هذه الأوطان الكئيبة لحكامها من الجنرالات المزيفين والسياسيين الأنذال والإداريين الحالمين بالمجد، حيث لم يعد للأب حجج لإقناع ابنته المراهقة بالبقاء هنا، نحن فقدنا أحلامنا تدريجيا، كما نقل لي صديق قديم ما قاله لابنته بعد أن أجبرته وزارة الداخلية على إمضاء تعهد بالسماح لها بالسفر رغم قدراتها العلمية المتميزة التي جعلت دولا متقدمة تنتدبها، يطلقها من حضنه وهي وفي الثامنة عشر من العمر: "برّي بنيتي ربي يسهل عليك في عوالم أخرى أفضل مما قد أوفره لك هنا، لا تنسي أباك وأمك، ليس لي قدرة على إقناعك بالبقاء معنا ولا بمستقبل لك هنا"، وقتها تتذكر مقترح "إرهابيي ائتلاف الكرامة" في إعتبار السفر حقا دستوريا لا يجوز منعه إلا بقرار قضائي، العركة كلها على حقوق المواطن في مقابل أعوان الدولة، أنت أيضا ستفهم أن وضع كل تلك الحقوق بأيدي البوليسية هم ظلم لنا ولهم، لكن في آخر عمرك، أو عندما تصطدم بهذه الآفة وأنت تحاول السفر إلى ابنك أو ابنتك في الخارج، حين تكتشف أنك، بسبب تدوينة أو أعجاب على تدوينة، أو وشاية، قد أصبحت بفعل عمل موظف غامض، تحت قرار بوليسي بالاستشارة قبل السفر، أضرب بابا، الآن تشكي لربي فقط، لن تجد نواب شعب يدافعون عنك،

قبله، قلت سرّا لابني البكر وأنا أحبس دموعي في المطار، كان أكثر قليلا من العشرين عاما في هجرته الأولى إلى الخليج: "كن واقعياً كالسماء، ولا تحن إلى عباءة جدك السوداء، أو رشوات جدتك الكثيرة، وانطلق كالمهر في الدنيا، وكن من أنت حيث تكون، واحمل عبء قلبك وحده" (الشاعر محمود درويش، تعالم حورية)،

نحن من بقينا هنا، لنا الله فقط والذكريات والحنين،

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات