حديث عنيف في العلاقة بين صورة مجلس النواب و"الصدر" في السجون التونسية،

بودربالة للنواب عن التصوير بالهاتف في مجلس النواب: "كل من يُخالف هذا الإجراء ستتم إحالته مباشرة على النيابة العمومية"،

عاد، حضرة الفاضل سي براهيم، أصل فكرة الرأي العام ثم ممثليه في مجلس النواب هي ساحة الأغورا في اليونان (ἀγορά) من فعل ageirô الذي يعني تجمع مواطنين للنقاش العام ثم توسع إلى مفهوم الساحة العامة للنقاش في الشأن العام وكان ممنوعا على النساء والعبيد والكلاب، في الثورة الفرنسية تم اجتراح صورة السلطة الرابعة مقارنة بتقسيم السلط الثلاث وفق مونتسكيو، وهي الصحافة والتصوير والتوثيق،

المهم: لولا توثيق ما حدث لما وصلتنا فكرة الأغورا أصلا ولا ما حدث في مجالس الثورة الفرنسية، أهم شيء فيه وقتها هي سيادة المواطن في التعبير والتوثيق الذي أصبح اليوم بالهاتف، حتى أنت، سيدي الرئيس، كان ما عملت شيء، توه تروح؟

الأطرف في تطبيق الصورة على "الحالة التونسية": أفضل مكان للـ "الأغورا" متحضرة أو متوحشة، موجودة في أدب السجون التونسية اسمها "الصدر" (بمضاعفة وسكون الصاد وفتح الدل) أي بطحاء صغيرة بحجم 10 أمتار مربعة في غرفة من 100 متر مربع فيها 160 سجينا. الصدر يقال عنه "يسكن فيه" لأن من فيه يظلون فيه لأعوام طويلة، ناس محكومة بعشرات السنين من السجن، أقاموا نظام حياتهم هناك حول السلطة: البونية والفلوس، هم كبرانات الشمبري الوطني من نظراء قارديانات الحبس إلا المكسّرين منهم والبورجوازية ثم الخلايق بالمعنى الحقيقي، يقدمه لك أحدهم: "هذا أعطاه داودي واحد جابوا قاعد على ترمته"، الداودي أقوى من شلبوق الحلايبي الذي يصيب الحنك فلا يضرّ.

سياسيا، يعني صاحب بونية صحيحة تتيح له البقاء في الصدر أو يكون الموالي في "الداودي"، تماما كما فعلت أنا مع كبران الشمبري الذي سبقني "يوسف الشارني" لص العسل والخرفان الذي اكتشفته فأحببته فيما بعد وهو يقاتل لاستعادة كرامته في غرفة 5 من سجن الكاف وقتها، "أنا أعطيته الداودي" الحقيقي على أذنه اليسرى فرأيت عينيه تنظران إلى الأعلى قبل الإغماء، قفزت إليه من فراشي عند الحادية عشر ليلا بسبب عركة تخص النظام العام، "أعطيته واحدة فقط، جاء قاعد على ترمته"، جمع أدباشه وترك فراش "العمودية" منتظرا النقلة إلى غرفة أخرى لكي لا "يأكله" بقية مساجين الغرفة عندما انهارت سلطته من باب cannibalisme، لكن لم يصورنا أحد، فقط عندنا الروايات الشفوية التي تتحول من سجن إلى سجن في أغنية "أرضي علين يا للميمة رانا موضامين" أو "لا جاني جواب توه مدة، من عند الأحباب، توه مدة، هكه ربي راد، توه مدة، ربي يعفو بي" أو "نيران جاشي شاعلة ميقودة..." إلى أغان تمجد البطولة، كل ما قدرت عليه بصفته شارني من أهلي هي حمايته في الغرفة حتى الصباح من أعداء سلطته، تماما كما يحدث في السياسة،

نحن اتفقنا أنها أغورا، يقرر فيها "المواطنون" الوجهاء مصير الشمبري الكبير الذي اسمه تونس حتى شكليا، سواء بالبونية أو القوانين، تماما بشكل مذهل لما يحدث في البرلمان. أنا مثلا، أصبحت كبران شمبري في غرفة 8 في سجن الكاف بعد أن صدر ضدي حكم بالسجن لخمس سنوات في جويلية 1986 وبعد أن فتحت طريقا شاقة بالبونية وقلة الحياء والأعمال الفوضوية، ثم أقمت السلام بالبونية في غرفتي حيث قال لي أحد ضباط السجن وهو شارني من أهلي مهنئا: "يا كبران، القانون يقول عند إغلاق أبواب غرف السجن إن الرأس تحت الزاورة والمؤخرة للكبران"، قلت له وهو يغلق الباب "دين سماك، عندي 12 على عشرين في الفلسفة، وقاري كل ما كتب نجيب محفوظ ويوسف إدريس وحنا مينا وشرق المتوسط..."، سمعت صوته من وراء الباب "امسح بيهم"، البونية سواء كانت سياسية أو حقيقية هي التي تصنع السلطة،

أصبحت كبران شمبري، كان عندي أصدقاء شوارنية في شمبري 3 متاع الموقوفين أذهب إليهم للمشاركة في تصفية الخلافات العنيفة بين "مواطني الصدر" بالبونية والشيركو والحذروف (أسماء أدوات حادة نصنعها من حديد الأسرة والملاعق المعدنية للعراك) خرجت منها كلها بلا جراح لأني عندي بونية صحيحة، أنا أصلا أصبحت كبران شمبري من باب الدفاع عن النفس في عالم همجي ثم من غريزة السلطة، تماما كما في ذلك الشيء المسمى برلمانا، ممنوعا من التنوين،

أي تشابه بين حياتي في سركونة وموقف سيدنا ومولانا سي براهيم بودربالة؟ البونية؟ حقا.

في غرفة 8 في سجن الكاف دخلت معارك بونية صحيحة متاع واحد ريفي لم يأكل الياغرت ولا الماقرونة، لم يعرف غير خبز الشيلي المزوزي في أعالي سركونة في الحلالم وكسرة الحمراية التي أصبحت اليوم علاجا للسكري، نشأت طفلا بإمكانه وهو في الثانية عشر من العمر أن يصارع عجلا بدويا يزن مائتي كيلو من قرنيه في سركونة ويصرعه، أنا روضت مرة مهرة أصيلة لم يركبها أحد، من أعالي الناظور غرب سركونة عند عماتي، ركبتها بلا سرج ولا مقودة حتى الناظور اللوطاني الذي يطل على بحيرة سد ملاق، تعبت هي وانزلقت أنا عن ظهرها المنهك بالصراع والعرق، إنما انتصرت ولم أقع عن ظهرها، قبلت فمها وهي تلهث وتلمست قبلها العظبم الذي يعطيها كل تلك القوة الجبارة، كان واضحا أنها أحبت التجربة، لقد خلقها الله للجري والشجاعة ومسابقة الريح، عمي عبد الرحمان بالشابو، شهر "تحنونة" صرع حماره المصري الفاره الذي يشبه بغلا بضربة رأس واحدة أمام الطاحونة، وضع دون مساعدة على ظهره قنطارا من الدقيق ثم ساعده على الوقوف، رحل عمي تحنونة عن العالم دون أي مرض، فقط بسبب "القلق" والسأم من هذا العالم السخيف بعد رحيل الجميع عن الناظور حيث ممتلكات جدي علي بالشابو بن العربي الشارني الذين يفترض أن يمتد لقبهم إلى قبيلة هوارة البربرية المستعربة لكن لم ترحل معه القوة، رحل أيضا أبي عمار بالشابو الشارني رحمه الله، ذهب على قدميه وقد تجاوز الثمانين من العمر من بيتنا في قرية سد ملاق صعودا مع التلال إلى زيتونات أمه حفصية بنت مبارك الشارني في كبريتة سركونة في دير الكاف على بعد أكثر من 15 كم ثم عائدا إلى دشرة نبر حاملا أكثر من 50 كغ من الزيتون إلى المعصرة، فقط لكي يهدي إليّ وإلى راضية التي تطبخ له كل مرة خصيصا كسكسي بالعلوش وأحمد وياسمين نصيبهم من زيت الجدود وقوتهم، أستطيع أن أقول متأكدا أن أحمد ابني في ولاية نيويورك يحس القوة نفسها عندم ضربت كبران الشمبري في الغرفة عدد 8، إنها قوة البونية التي أطاحت بعتاة المجرمين باسم 12/20 في الفلسفة والأسئلة البدائية حول من أنا، ما أنا، هل أنا أفكر حقا أم أن البونية هي التي تصنع القانون؟ النيابة العمومية؟ الحبس هو الذي يصنع الفضاء العام الأغورا؟،

أنا في محنة السجن كنت محملا بالقوة العاطفية لأبي وعمي تحنونة، عماتي المناضلات في أثر الرجال في الحصائد وقطعان الغنم في تلال سركونة والناظور إلى سد ملاق، حيث تتوزع دمائي وحبي، عماتي اللاتي كنت أفشل في عدهن لتعدد أمهاتهن إنما أحبهن جميعا، إن الدم الذي جرى في بونية تلميذ صغير في السجون التونسية في الفضاء العام وأطاحت بعتاة مجرمين في 1986 كانت نفس وروح مقاومين في أغورا الوطن، لم تعد لي بونية صحيحة، لقد كبرت يا أبي، حلمي أن أحافظ على صحتك وقوتك وأن أعيش بعد الثمانين وأن أرى مجلس نواب حقيقي، لا يجرم فيه تصوير المداولات، أغورا حقيقية،

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات