والآن..، بعد كل ما حدث، ما هو مستقبلنا نحن العرب..!؟

بعد أن نفضنا أيدينا من حكاية النهوض والتقدم، هل ما زلنا نمتلك مقومات البقاء..؟ في الثمانينات.. نشأنا على قراءة مجلة محترمة اسمها "المستقبل العربي" التي شرع في إصدارها "مركز دراسات الوحدة العربية" منذ 1978. كانت هناك مجلة "دراسات عربية" أيضا، ومجلة "الوحدة"، و"الفكر العربي المعاصر" و"الفكر العربي".. الخ. كلها كانت تدور حول التفكير في مستقبل العرب.

وكنا شبابا، نقرأ ونحب كل تلك الإصدارات/المشاريع الفكرية السياسية، ونؤمن بأننا منخرطون في حراك تاريخي معرفي ونضالي غايته بناء مستقبل عربي ممكن جدا يشمل كل المجتمعات العربية. لم يكن الأمر يوتوبيا فلسفية! كانت فكرة استبطنتها عقولنا وفعلا يوميا يتعامل مع الشأن العربي على أنه شأن واحد.

أذكر بكثير من الحب كتاب هشام جعيط "الشخصية العربية والمصير العربي". وأذكر سلسلة كتب "المشروع الحضاري النهضوي العربي" الذي تبناه مركز دراسات الوحدة العربية.

والآن.. بعد نصف قرن من تلك الأحلام، وبكل اطمئنان، انتهى كل ذلك.. وصار مجرد ذكرى لا يلتفت إليها أحد!

التحولات التي شهدتها مجتمعات العرب دراماتيكية جدا. مؤداها، ببساطة، أن عرب اليوم في طريقهم إلى الاندثار نهائيا.

خارطة عربية بانورامية لمؤشرات الاندثار:

* مصر، "قلب العروبة النابض!".. سابقا، هي المرشحة الأولى للتفتت وفقدان شروط الاستمرار كدولة.

ولأنها دولة المواجهة المباشرة مع الكيان، والدولة ذات الثقل الحضاري والبشري الأكبر عربيا، فقد خصّتها الصهيونية بخطة تدمير "طويلة الأمد" هدفها تحويل مصر إلى أرض غير صالحة للعيش. تم تصعيد السادات القذر ليفتتح زمن الاستسلام العربي بمعاهدة كامب دافيد، ثم تم استكمال تخريبها وتهرئتها زمن مبارك، والفصل الأخير كان المسارعة بتنفيذ انقلاب متوحش على قوس ثورتها وديمقراطيتها وإغلاقه دمويا بمجازر لا مثيل لها في التاريخ المعاصر.

هذا على مستوى الواجهة السياسية، أما الأخفى والأخطر فهو ما خططت له الصهيونية منذ الخمسينات من السيطرة على مصادر مياه النيل في إفريقيا. وما تفعله أثيوبيا اليوم من بناء سد النهضة ومجموعة سدود أخرى تحتجز مياه النيل، سيجعل الحياة مستحيلة في مصر مستقبلا. سيضطر الناس إلى الهجرات الداخلية والخارجية وسيحوّل المجتمع المصري إلى كيانات صغرى تتقاتل حول بقايا الماء. يعني في أفق سنوات.. قد يصبح الحديث عن مجتمع مصري ودولة مصرية أمرا من الماضي!

* السودان العربي الكبير... بلاد قطعت خطوات عملاقة على طريق التحلل. انفصل الجنوب سنة 2011، برعاية صهيونية طبعا. ثم دخل السودان الجديد في حرب داخلية مأساوية دائمة برعاية مباشرة من الإمارات الصهيونية. حرب كرّست على الأرض واقعا جديدا يستحيل أن تعود معه السودان إلى وضع الدولة الواحدة!

* العراق العربي الكبير... مأساة العرب المنسية! العراق مجال حضاري عربي عريق وبديع.. ودولة ذات موارد طاقية ومالية رهيبة، ومجتمع امتلك نخبة علمية وفكرية وإبداعية محترمة جدا، وهو الآن يرتد إلى شتات طائفي ميليشياوي بدائي، وإلى شبه دولة ينخرها الفساد الفاجر.. وكل المؤشرات تقول أن من المستحيل أن يستعيد وحدته فضلا عن قوّته.

* اليمن... روح التاريخ العربي... هو الآن ساحة مفتوحة يوميا للقتل والتدمير والجوع والمرض وانقطاع التعليم و... اللادولة.

*السعودية... دولة ومجتمع بلا هوية تاريخية. يمكن أن نفتح أعيننا صباحا لنجدها انضمت إلى اتفاقات ابراهيم الصهيونية، وهي تعلم أنها تتوفر على كل شروط زعامة المجال العربي، إن أرادت! ولكنها تعلم أيضا ثمن تلك الإرادة.

* فلسطين... ولبنان: الجرح النازف في جسد الإنسانية الحديثة.

الإبادة التي ترتكب فيهما منذ ثلاث سنوات شوّهت نهائيا وجه التاريخ البشري.. ولا أحد يمكن أن يتنبّأ بملامح "الإنسان الفلسطيني واللبناني" الذي س/قد ينجو من إبادة يعجز كل العالم عن إيقافها.. بل صار يواصل حياته مديرا لها ظهره.. كأنها "لا حدث"!

* دول المغرب العربي:

- ليبيا... هي الآن مجموعة آبار نفط اقتسمتها شركات عالمية فيما بينها، وأسندت تصريف الشأن اليومي للّيبيين إلى ميليشيات محلية قبلية أساسا. وضع لا يمكن أن ينتج عنه اجتماع سياسي مدني في أفق قريب!

- الجزائر... بلد يمتلك ثروتين كبيرتين: ثروة طاقية، وإرث ثورة استثنائية مسجلة في قائمة أهم ثورات القرن العشرين. لكنهما ثروتان تحتكرهما أوليغارشيا عسكرية فاسدة قمعية وتستعملهما كملكية خاصة.. أوليغارشيا تعطل حركة التاريخ هناك وتتخذ الشعب رهينة لديها وتمنعه من دخول العصر.

الجزائر بلد متوقف عن الحركة. والتاريخ لا يعرف التوقف.

- المغرب... بلد المتناقضات. كلما قطع خطوة على طريق التنمية والتقدم الاقتصادي، تراجع خطوتين على طريق الحريات وحقوق المواطن والديمقراطية. المَلَكية فيه هي بوابة البلاد الوحيدة.. بوابة مفتاحها في يد الصهيونية للأسف.

- تونس... شعبوية غريبة عن التاريخ السياسي المعاصر للعالم وللبلاد.. برزت من العدم، مسنودة من أجهزة صلبة.. ثم من قوى إقليمية ترفع فيتو تاريخي ضد الديمقراطية في تونس.. شعبوية شبه أمية نجحت بشكل سريالي في شيطنة الديمقراطية ثم في إغلاق باب السياسة وإزاحة كل الطبقة السياسية بكل تياراتها.. ووضعت البلاد على كف عفريت التاريخ. وأيا كان ما سيحدث بعد الصفحة الحالية البائسة، لا شيء يمكن أن يلأم الانقسامات العميقة التي حفرتها الشعبوية بين التونسيين!

تنويه: لم أتحدث عن سوريا.. لأنها لوحدها حدث "مستقبلي" خاص جدا! بقية دول المجال العربي.. كالإمارات وقطر وعمان والأردن تحتاج تناولا أيضا. لكنني تعبت .

المحصلة: ماذا أفعل بكل أعداد مجلة "المستقبل العربي" التي لم يطاوعني قلبي على إحراقها.. حتى الآن ؟

تبا …

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات