هل يمكن أن تعود السياسة يوما إلى تونس؟

الثابت الآن أن تونس خالية من السياسة تماما:

- السلطة التي تدير البلاد هي عبارة عن آلة بيروقراطية إدارية جافّة صمّاء... حتى أنها لا تحتاج إلى الكلام في السياسة أصلا ولا تفهم من يتحدث إليها حديث سياسة! هي غير مؤهلة تكوينيّا لتفهم وتتكلم سياسة! وهي آلة منفصلة تماما عمّا تنشره صفحة الرئاسة من حديث.. لا علاقة له بالسياسة هو أيضا...!

حديث الرئاسة "بلاغة تعبيرية تقوم بإحياء بأساليب "البديع" والزخرفة اللفظية في اللغة التراثية الميتة.. من سجع وجناس وطباق ومقابلة.. وكل المحسّنات اللفظية التي تقتل المعنى وتجعل الكلام كائنا هلاميا لا علاقة له بالواقع! وهو حديث غاضب، احتجاجي، معارض أشد راديكالية من خطاب المعارضة (المُفترَضة)..، لذلك هو خالٍ من السياسة!

- أما المعارضة، بمختلف تلويناتها، وباختلاف درجة معارضتها، فهي "معلّقة في الهواء" في وضع انتظار دائم ل"أمر ما" لا تستطيع تحديده! أجسام قديمة مترهلة ومشلولة بفعل إجراءات انقلابية مدروسة جيدا! معارضة هي نفسها لا تعرف إن كانت حية أو ميتة !

قانونيا ونظريا لم يتم منعها، لكنها عمليا ممنوعة من الحركة والنشاط.. والحياة. فالنظام اهتدى إلى سياسة=طريقة جديدة في التعامل مع كل أنواع المعارضة وهي "الإهمال "(المحقرانية).

أي أنه لا يكلف نفسه عناء اتخاذ قرار "سياسي" بحلّ أحزاب المعارضة دفعة واحدة، بل اكتفى بإنكار وجودها...!

وتعامله مع اتحاد الشغل نموذج مثالي للفهم: لم يعد يتفاوض معه.. وعوّض دور الاتحاد بإقرار زيادات في الأجور من جانب واحد، بما يعني أن الحكومة تمثلت دور النقابة وصارت تمثل العمال عوضا عن الاتحاد! ولكنها لم تنس دورها كحكومة طبعا. فلم تلتزم بقرار الزيادات الذي اتخذته الحكومة/النقابة!

المحصّلة: الحالة التونسية الآن حالة "طريفة" جدا فعلا! والطرافة هنا بمعنى الفرادة، أي أنها غير قابلة للمقارنة مع أي حالة تاريخية شبيهة!

السلطة غير سياسية، والمعارضة، التي تمثل كل "مدارس السياسة" التقليدية والموجودة كأسماء وشخوص وحتى مقرات أحزاب ورموز، في حالة "تحنيط". حافظت السلطة عليها (عدا النهضة المجمدة، لا المحلولة، بالقانون).. ولكن حنّطتها على هيئاتها القديمة.. لتعرضها للناس في متحف "التاريخ البعيد للسياسة".. كفزّاعة تطرد الناس بعيدا عن كل ما تفوح منه رائحة السياسة!

رأيي، بناءً على تحليل طويل لا مجال للتفصيل فيه هنا، إن عادت السياسة إلى تونس يوما، ويجب أن تعود، فستعود فقط عبر اتحاد الشغل!

الأحزاب القديمة كلها استنفدت كل إمكانيات البقاء والتجدد. وهنا أؤكد على فكرة جوهرية: حتى إن لم تفقد الأفكار المؤسسة لهاته الأحزاب كل شرعيتها الواقعية (الإسلام، الوطنية، الوحدة العربية، الاشتراكية/العدالة الاجتماعية)، فإن الأحزاب التونسية التي تمثل هذه الأفكار انتهت كلها كأطر تنظيمية وتجارب بشرية (شخوصا وعلاقات)!

ألم ينته اتحاد الشغل مثل كل الأحزاب وأكثر ؟

نعم.. كتجربة نقابية/سياسية وتنظيمية.. انتهى هو أيضا. ولكن المطلب المهني النقابي سيظل المحرك الاجتماعي الأساسي لعودة السياسة. سيجتمع الناس في كل قطاعات العمل على مطالب حياتية أولية، وسيصوغون مطالبهم في جمل تبدأ مطلبية صرفة.. وتنتهي سياسية في الحد الأدنى حتما! لأن تنظيم علاقات العمل/الإنتاج هو "خيط السداة" الأول الذي تنشأ حوله المجتمعات.. أي السياسة.

سيقول قائل.. لكن الدول والأوطان تحتاج رؤية/فكرة ثقافية/حضارية و"مشروعا تاريخيا" يميّز مجتمعها عن باقي المجتمعات، فالإنسان لا يمكن اختزاله إلى كائن مادي/عامل فقط!

الحقيقة.. لست متأكدا تماما من هذا! بل لعلني صرت أقرب إلى الزهد في هذه الشعارات الكبيرة.. الجوفاء.

الآن، في هذه الجغرافيا الصغيرة التائهة التي اسمها تونس، نحتاج من يعيد تنظيم "أدوات الحياة" البسيطة المتاحة بما يوفر للمجموعة البشرية التي وضعها التاريخ هنا شروط البقاء المادي..، أي الأكل والشرب والنقل والتكاثر والتعليم.. فقط.

كل ما عدا ذلك مجرد ترف نظري...!

ولأن كل مكونات المشهد السياسي القديم صارت غير صالحة للاستعمال، ومن المستحيل أن تجد صيغة تعايش فيما بينها أو أن تتفق على قانون طرقات واحد، فما بالك بأن تتفق على برنامج مشترك ل"إعاشة المجتمع"، فإن الباب الوحيد للعودة إلى السياسة في حدها الأدنى هو التنظّم العمالي القطاعي المطلبي.

ضمن منظمة جديدة؟

مستحيل! مجتمعنا لا يتوفر على طاقات تأسيس جديد. والتمسك بالرصيد التاريخي، التنظيمي أساسا، لاتحاد الشغل هو أقصر الطرق الممكنة إلى السياسة.

بالوجوه النقابية الحالية...؟

طبعا لا.. الجيل النقابي الحالي، القيادي والقاعدي سواء، هو التشويه الأقصى لفكرة العمل النقابي، لأنه ببساطة تكثيف مرَضي لتجارب العائلات السياسية التي اتفقنا على ضرورة دفنها!

لذلك، يجب أن يبرز جيل جديد من النقابيين "القدّيسين" الذين يجعلون من مصلحة من يمثلونهم من العمال "عقيدة وجودية".

الأمر يشبه المعجزة طبعا!

تبا!!!

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات