هل بقي لنا ما نواجه به "غول التاريخ" الذي يزحف نحونا ؟

بعد أن شاركنا جميعا، أحزابا ونخبا وجمهورا وإعلاما ونقابة ومنظمات و"شعبا كريما" و"دولة" وشبكات مصالح ومراكز نفوذ، بأقدار مختلفة طبعا، في قتل فكرة السياسة نهائيا،

وبعد خمسة عشر عاما من التصعيد المرضي الجماعي لكل عُقدنا التاريخية العميقة،

وبعد أن مارس الجميع على الجميع، مرة أخرى بأقدار مختلفة، كل أنواع العنف "الممكنة".. من ثلب وإهانة وتشويه وكذب وافتراء وتحقير وشيطنة،

وبعد أن عبثنا جميعا خلال عقد كامل ب"لعبة الحرية" التي فاجأنا بها التاريخ، كما يعبث طفل بأول لعبة تقع بين يديه أول اكتشافه للأشياء فيرميها على الأرض بكل قوته ويدوسها بقدميه ليختبر قوته، ثم ينفجر بالبكاء والصراخ حين يراها مهشمة،

وبعد أن صارت كلمة "السياسي" تعني عند التونسيين الانتهازي والوصولي والفاسد والمنحرف وعديم الكفاءة.. وباختصار "أسقط ما خلق الله"،

وبعد أن خرج من بيننا تونسيون، من كل الفئات: عامة أميون ونخبة جامعيون فيهم الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والأستاذ.. الخ، من يسب فكرتيْ الديمقراطية والحرية في المطلق لأنهما منتجان غربيان فاسدان، ويطالب بالانقلاب عليهما لصالح "نموذج جديد للحكم" اكتشفه" زعيمهم الجديد" دونا عن كل شعوب العالم،

وبعد أن اندثرت الأحزاب، ولم يبق من ذكراها سوى ما يمرّ أمام أعين متصفّحي المواقع من فيديووات قديمة تروي "قصة أبطال العبث بالحرية"، أو ما يكتبه البعض من أنصار كل حزب من بيانات تضامن مع مساجينه،

وبعد أن حدث الذي حدث،

يواصل هؤلاء التونسيون، رغم أنهم صاروا جميعا كائنات أثرية سياسيا، سب بعضهم بلا كلل ولا ملل ولا كسل!

لا يعنيهم بتاتا أن العالم يغلي بتحوّلات مرعبة! وأنهم يقعون في قلب الطريق السيارة التي ستمرّ منها عاصفة التحولات، وأنهم قد يصحون صباحا قريبا فلا يجدون ما يتسابّون حوله: لا دولة ولا حكما ولا حدودا ولا ديمقراطية ولا حرية..، ولا أي شيء ممّا ظنّوه معطى قدريّا ثابتا أبديّا!

فاللهم.. تبا!

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات