تعيش تونس، دولة ومجتمعا، أزمة شاملة ومركّبة جدا، بل أنها تكثيف لكل أزماتها التاريخية السابقة التي بقيت معلقة من دون حلّ. ولا نبالغ إذا اعتبرناها أزمة تهدد وجودها!
الأخطر من الأزمة أن كل مكونات الدولة والمجتمع، أي مؤسسات الحكم من رئاسة وحكومة وأجهزة السلطة من جيش وأمن والفاعلون الاقتصاديون وما تبقى من منظمات وطنية وأحزاب سياسية، في حالة استسلام كلّي للأزمة.
الجميع، حتى الذين هم في الحكم، في حالة جمود وبهتة وعجز.. وكأنهم في انتظار "حدث ما" يخرج البلاد من حالة الموت السريري إلى "حالة جديدة"..أيا كانت تلك الحالة!!!
حتى الذين ينكرون وجود أزمة من الذين انخرطوا في كاراكوزات البناء القاعدي من مختلف المجالس ( من النواب إلى المحليات)، ومن انتهازيّي الشركات الأهلية ومن الناطقين في الإعلام باسم هذا اللاشيء السياسي الذي يجثم على تاريخ البلاد، يدركون أن هذا الوضع الكاراكوزي لا يمتلك شروط الاستمرار، ويعرفون أن خرافة المؤامرة لا تفسّر حالة الانهيار الشامل التي تضرب البلاد.
ورغم أن لا أحد يعرف ملامح هذه الحالة الجديدة/المنتظرة، إلا أن كل البلاد تكاد تكون متوقفة عن الحركة.. وتنتظر!!
ما يحدث في قابس يصلح نموذجا تفسيريا لطبيعة الأزمة/المأساة التونسية:
هناك تلوث يقتل الناس والبحر والهواء والتراب والواحة والمائدة المائية وكل الكائنات الحية في قابس.. منذ عقود.
أي أنه بصدد إنهاء الحياة هناك.
الأهالي خرجوا إلى الشوارع دفاعا عن حقهم في الحياة بعد تصاعد حالات الاختناق، ويشعرون أن الكارثة يجب أن تتوقف الآن، أو على الأقل يجب البدء في معالجتها!
من يمتلك الحل ؟
المفروض أن الحكومة هي الجهة التنفيذية المسؤولة عن إدارة شؤون الناس. لكن رئيسة الحكومة رفضت مجرد الذهاب إلى قابس، لأنها ببساطة لا تملك حلا!
الحكومات التونسية منذ الانقلاب لا تمتلك القرار السياسي. هي تمثل الإدارة التونسية. والإدارة لا تفهم في السياسة، فضلا عن أنها جهاز بيروقراطي متقادم ومترهل وصدئ.. وجبان لا يتحمل مسؤولية البحث عن حلول.. وفاسد.
لذلك سيكتفي كل الوزراء في حديثهم عن أزمة قابس بإبداء تعاطفهم وتفهمهم للناس، مثلما ستقوم بقية أجهزة الدولة الأمنية بدورها "الإداري" في إيقاف المتظاهرين والحفاظ على "الاستقرار" كما تقتضي هويتها القمعية الصماء!
رئيس الدولة نفسه، رغم أنه يتبنى مطالب أهل قابس، ورغم صلاحياته الدستورية السلطانية التي تخول له الأمر بالشروع الفوري في تنفيذ حل وإن على مدى طويل، لا يستطيع فعل شيء!
ورغم الاتهام "التقليدي" شبه الآلي في الخطاب الرسمي بوجود متآمرين ومندسين ومأجورين ضمن المتظاهرين، وبأن المعارضة(التي لا وجود لها فعليا) تتحيّن فرصة أي حراك اجتماعي لتوظيفه، فإن الحكومة والرئاسة يصرحان بأن مطالب أهل قابس مشروعة. لكن لا الحكومة ولا الرئيس يستطيعان حل الأزمة..!
ملخص المشهد في قابس/البلاد: الذين يشغلون "رسميا" مواقع الحكم.. لا يحكمون! ولكنهم يؤدون "طقوس الحكم" الخطابية (صفحة الرئاسة والكرونيكارات المكلّفون) بحماس مبهر! وأجهزة الإدارة الأمنية تؤدي "طقوس الحكم" باستقلال عنهم.. ومن دون "سياسة"!
والمحصلة.. بلاد من دون "عقل سياسي"..، بلاد خالية من السياسة!
لذلك.. كل حديث في السياسة في تونس الآن.. يبدو أنه "عويل في الصحراء"!
تبا.