لا يعنينا كثيرا سوء الفهم أو جزئيته الذي يقع فيه بعض المتابعين حين يناقشون فكرتنا حول ذهاب الوضع السياسي راهنا أو في المستقبل القريب الى سياق " ترتيبات " لم يعد فيها للفاعل السياسي التقليدي المكانة التي كانت له في عشرية السياسة .
يذكر بعض المناقشين أحيانا بتدقيقات تكون موجودة في مقالي ويكررون بطريقة أخرى التنسيب الذي احتفظ به باستمرار في عرض الفكرة ويعيدون ما كنت أؤكد عليه باستمرار أن " الترتيبات " لم ترتع في مجالنا الوطني لتصبح وحدها هي الفاعل فيه إلا حين ضيعنا على انفسنا فرصة " حلق رؤوسنا بأنفسنا " حين نادينا الجميع غداة 25 جويلية 2021 الى التلاقي حول مشروع اصلاح ومراجعات وممانعة في مفاوضة ارادة "الدولة " وفي كبح تقاطع إرادات القوى الداخلية والخارجية الرافضة للتسيب الديمقراطي بتبريرات مختلفة من منطلق الزعم ان الحكم الممركز سبيل لضمان إنقاذ الدولة وإنفاذ الإصلاحات عند البعض وسبيل للتخلص من الخصم الانتخابي الأيديولوجي العنيد عند البعض الآخر .
لكن هذا التعويم الذي يمارسه البعض على أفكارنا ليجدوا مدخلا ليقولوا نفس الأفكار بنغمة أخرى ليس سمة غالبة على من يتابعون ويناقشون على هذا الجدار المتواضع وفي هذا السياق اسجل تعليقات مهمة تضيف لي وتفيدني وتوضح أحيانا ما تركته غامضا .
من ذلك مثلا ما تكرم به الصديق عبد العزيز غربال من تعميق لما قلناه في كيفية تعاطي " الترتيبات " مع الحركة السياسية التونسية ومع مناكفات قواعدها وانخراطهم في الصراعات الصفرية واستعادة استقطابات العشرية كلما تبين قرب التغيير وكلما تأكد ترهل وضع الحكم الحالي وتقاربت النخب السياسية التي تصارعت في العشرية وقد ناقش تعليقه فكرتنا ان كانت جرجرة القواعد الفايسبوكية الى المناكفات هي هندسة مقصودة للتأكيد على عدم جهوزية المشهد السياسي ليكون شريكا في اي عملية تغيير ممكنة ؟
يدقق لي سي عبد العزيز أن انخراط الصراعات الفايسبوكية بين قواعد التيارات السياسية في التفاهة والتنافي ليس دائما هندسة مبرمجة من المرتبين لإقصاء الحركة السياسية والتيئيس من إمكانية التقائها على تجاوز صراعات الماضي بل أن السبب هو "غياب وخلو الساحة ممن يأتم به الناس من قيادات و مؤطرين..والمناكفات والعدوانية المتبادلة هي انفلاتات فرضها الفراغ، والرغبة في الحضور المستمر على تلك المنصات، ممن يعتقدون أنهم يصنعون الحدث، بما يبقيهم دائمي الفعل و التأثير في المشهد، وتسجيل الحضور على الفضاء الافتراضي.."
لكن سي عبد العزيز لا ينفي ما سماه عملية " التفليت."..ويقول " أن روح العبث التي رافقت المشهد السياسي طيلة العشرية..و الأيادي العابثة وقتها، و نفس "الفٓعٓلة " ، وبنفس الروح أيضا، هم من يدفعون في هذا الاتجاه الآن ليعاد قول ما قيل وقتها..و وصم خصومهم حاضرا ومستقبلا، بنفس ما وُصموا به سابقا، ولنفس الغاية أيضا"
يوافق سي عبد العزيز على أن " الترتيبات " تخشى فعلا من " شراكة الحركة السياسية في التغيير " ( على الأقل الآن ) لأن المرتبين يعلمون علم اليقين أن لكل بلد تقاليد سياسية، لا يمكن التغافل عنها، وإنما يتوجب استلهامها في تصورات الخروج من كل أزمة..و تمثلها في إعادة أنتاج الحل..
والمعروف عن تونس أنها لم تحكم تاريخيا بالقبلية و لا العشائرية..وإنما بالمؤسسات المركزية الصارمة للدولة إداريا وامنيا...وفي نفس الوقت بتسويات ( أو صراع ثم تسوية ) مع العائلات السياسية والنخب الأيديولوجية والفكرية التي تتشكل أغلبها في أحزاب وحركات..وهي بذلك في حالة حراك دائم، بين صراع في ما بينها ...و بين توافق ...وكذلك هو الحال أيضاً بينها وبين الدولة...وقد مرت تونس تاريخيا بعشريات متعاقبة، لكل عائلة سياسية فيها نصيب من التجاذبات، والصراعات مع السلطة..من اليوسفية..الى اليسارية..فالإسلامية..وصولا الى عشرية التوافق..."
ويضيف سي عبد العزيز " لم يكن صراع الدولة مع تلك العائلات دليلا على ضعفها، أو عبثها أو ترذيلها...بل ان صراع الدولة معها بصيغ عديدة تأكيد على كونها تنازعها النفوذ...و الرغبة في الحضور في المشهد السياسي، و في إدارة الشأن العام بحظ أوفر، و بداعي الخوف من تغولها…
لذلك أرى أن ما يحدث الآن( إظهار الحركة السياسية في حالة ضعف عبر الملاحقات أو دفع قواعدها الى مزيد إظهارها في حالة صراع عبثي لا ينتهي ) ليس بنية الإقصاء والتحييد...وأنما بنية التهميش لدورها بغاية تسقيفها وتسقيف إسهامها في أي تصور للحل يخرج البلاد من ازمتها..وتستعيد به الحياة السياسية عافيتها."
واضح اذن أن عنوان المرحلة في علاقة الترتيبات مع الحركة السياسية التونسية ليس " الإقصاء" أو " الاستئصال " كما يريد أن يفهم بعض الوظيفيين بدفع " الدولة " الى الغاء نهائي لهذا الطرف أو ذاك ( تجيبهم الدولة ضمنيا ماكمش فاهمين ولا تعير اهتماما لسعارهم الاستئصالي وان كانت تستفيد منه في الضغط التسقيفي ) .
لذلك يستنتج عبد العزيز :
" يتوجب على العائلات السياسية أن تبدي مرونة أكبر في تعاطيها في ما بينها، بالابتعاد عن دواعي التنافر، و تجنب كل ما يذكي المناكفات، و الاستغراق في تحميل المسؤوليات،
والعودة إلى استلهام روح التسويات التاريخية البينية، أو بينها وبين السلطة..و لتفويت الفرصة على من يعملون على تقديم ما يمكن أن يُحتج به على ضعفها وتشرذمها، وترذيلها وبالتالي إقصائها نهائيا .."
أفردت التعليق بالنشر لما يحيل اليه من تدقيقات وفهم لمقصودنا بالترتيبات والمطلوب في فهم تعقيدات العقل المرتب ...الأفكار مركبة وليست تبسيطات ...والأفكار تتنزل في أجواء صراعية تتغير فيها موازين القوى وطبيعة الحلول في كل لحظة …