رسالة سناء بن عاشور الى عبد الحميد الجلاصي : بعيدا عن السياسة ...في الشرخ الهووي التونسي

سئل ذات مرة الكبير هشام جعيط عن السبب الذي جعل عائلات الأعيان والوجاهات والسلط المعرفية التي كانت زيتونية في فترة الاستعمار ترسل أبناءها ( ومنهم هشام جعيط ) الى المدارس والكليات الغربية ولم تورثهم المشيخة الدينية فكان جوابه عميقا وجريئا .

قال لقد كانوا (آباؤهم الأعيان المشايخ ) واعين أن سلطة المعرفة والوجاهة بواسطة "العمامة" هي في سبيلها الى الأفول وان دولة الاستقلال القادمة قريبا ستعتمد النخبة العصرانية لتصبح سلطة الاكاديميا في يد العصرانيين ولذلك أعدوا أبناءهم ليتملكوا نفس وجاهاتهم وسلطتهم المعرفية ولكن بلبوس العصر الذي سيأتي وهو لبوس الجامعة والاكاديميا الحداثية وبذلك سيكون وجهاء المستقبل هم سليلي وجهاء الماضي ولكن بسلاح المعرفة الجديد .

هذا التفسير التاريخي الاجتماعي في تداول السلطة المعرفية هو الذي يجعلنا نفهم مسار أبناء وأحفاد " المشائخ " الذين أعدهم الآباء لعصر غير عصر الأجداد الذي ادركوا أفوله فكانوا أعمدة الحداثة بعد أن كان آباؤهم أعمدة الأصالة .

الأستاذان عياض وسناء بن عاشور وغيرهما من أبناء العمومة والأخوال كانوا كما هو معلوم أعمدة الاكاديميا الحداثية في دولة الاستقلال مثلما كان الأجداد أعمدة الدولة التقليدية قبل الاستقلال ولكن بمدرستين متقابلتين وهي " التقليد " و " الحداثة " .

هذا التقابل سيظل الجرح الذي ينز باستمرار في عقل الدولة البورقيبية إذ أن النقلة لم تكن نحو التأليف بل نحو التقابل :

نزوع التحديث والتطوير للأصيل والذي بدأه الجد صاحب "اليس الصبح بقريب" و"التحرير والتنوير" وواصله الأب في جهده الفكري والثقافي لن يرهق الأحفاد الأبناء انفسهم في مواصلته مادامت الدولة البورقيبية لم تكن تريد " التأليف " بل القطع أي تريد " الحديث " وحده فانخرطوا فيه. كان القرار السياسي أن تكون الاكاديميا الجديدة حداثة صرف ولم تناقش الاكاديميا لتقول للسياسي هناك خيار اخر اكثر ضمانا بدأه آباؤنا وأجدادنا فلنستأنفه ...كان التيار جارفا فلا فائدة للوقوف أمامه...فليكن : قتل الآباء .

اذكر اني ناقشت الأستاذ عياض بن عاشور أيام مداولات المجلس التأسيسي حول الدستور في بلاتو على قناة نسمة ( موجود على اليوتيوب ) لأقول له يا أستاذي إن عبارة " تجذير التلميذ التونسي في هويته العربية الإسلامية " موجودة عند الشيخين بن عاشور، وتبنتها أيضا مؤتمرات نقابات التعليم ذات التوجه اليساري قبل الثورة فلا خوف منها ...إنها ليست عبارة النههضاويين يا سي عياض ( كان النقاش وقتها على الفصل 39 في الدستور ) ...واضح أن الأستاذ تفاجأ وقتها فقد كان لا يريد أن يخيب فيه ظن " الحداثيين " الاستئصاليين الذين أرادوه صوتهم وسلطتهم المعرفية …

ولكن سي عياض نفسه هو المفكر الذي سيكتب عن "الفاتحة الجديدة " وهو نفسه الذي سيتحدث بعد الانقلاب في القنوات الغربية إن الإسلام لا يناقض الديمقراطية وان الاستثناء التاريخي كذبة أوروبية مركزية فعاد "بنعاشوريا" كما يجب أن يكون .

تقول الأستاذة سناء في رسالتها لعبد الحميد الجلاصي ردا على تثمينه لرفقته الفكرية لجدها الطاهر ووالدها الفاضل...تقول بمرارة : " من سوء حظّي فقدته وأنا في سنّ مبكّرة لم أتمتّع بحضوره ومعاشرته والاحتكاك به فحزني دائم لفقدانه."

ثم تضيف " في الحقيقة اكتشفت نضالاته ومواقفه الوطنية (السّياسيّة والثّقافية والنّقابية والجمعيّاتية) وحبّه اللّغة العربيّة وتشبّثه بالحضارة الإسلامية والمغاربية والتزامه بالقضيّة الفلسطينية عند إنجاز أطروحة دكتوراه الدّولة في تاريخ القانون المعاصر، اخترت لها عنوان "منابع القانون الحديث، التّشريع التّونسي في فترة الاستعمار"." وهنا تقف أستاذة القانون الحداثية في لحظة الحقيقة المعرفية مع ذاتها لنتأكد أننا في هذه الرسالة الى عبد الحميد أمام مداخل مراجعة فلسفية ووجودية ومعرفية ستكون فتحا مهما في تاريخ الاكاديميا التونسية .

اقرأ في رسالتها بشكل يفتح أمامي أنا الحبيب بوعجيلة المشحون بانتظارات سياسية ذات عمق فكري هذه الجملة المهمة وهي تشير الى احد مقالاتها المهمة التي أشارت اليها في صفحتها مؤخرا ...فقلت أن سناء بن عاشور تقتحم بشجاعة اكاديمية وهي الآن في تمام نضجها مجالا لم يكن سهلا أن تقتحمه سابقا ... إنها تعلم عبد الحميد أن إحدى مقالاتها الجديدة " تكشف عن جانب آخر للشّخص( أبيها الفاضل ) يتمحور حول تدريسه تاريخ التّشريع الإسلامي بعنوان "الشّيخ الفاضل بن عاشور: المدرّس المؤرّخ في التّشريع" ."

وفي وقفة نظرية تأملية فارقة تخاطب السيدة سناء الحداثية عبد الحميد المحافظ : "لم نلتقِ ولم نتحاور ولم نستغل لحظة كتابة الدّستور لنتبادل الرّأي ونقترب من بعضنا البعض مع قبول اختلافنا أو حتى خلافاتنا وتنوّعنا المنهجي والفلسفي."( لو التقوا كان النقاش حول الدستور سيكون نقاش التسوية التاريخية بين المدرستين وربما كان الجرح سيشفى ...كان النقاش وقتها للأسف بين صغار المتناكفين وأنصاف المتعلمين ).

ثم يكون التتويج المهم فكريا في قراءتي للرسالة حين تقول الأستاذة لعبد الحميد فيما يشبه التصحيح وتثبيت التموقع الفعلي لا الوهمي : " قيل الكثير عنّي وتصاعدت الاتّهامات وتنامت، حول ما اعتُبِر جزافا نزعتي الاستئصالية، فنزلت الأحكام بمجرّد أنّني من النّساء الدّيمقراطيات." ( كأنها تقول لست كذلك ...وانا أقول ...للأسف يا سيدتي ...انه سوء التعارف بين المدرستين التونسيتين ...لقد أفسدت بلاتوات الضحالة النقاش ومنعت التعارف في عشرية الصخب الموجه. )

وتأمل سناء بن عاشور في اخر رسالتها لعبد الحميد أن تتوفر شروط النقاش والتعارف في أجواء بعيدة عن قضبان السجن لنفكر معا في " ترسّخ قيم الدّيمقراطية في بلادنا وأن نترك نهائيّا الفكر الشّمولي إن كان من هنا أو هناك والذى أدّى بنا إلى الدّمار السّياسي والأخلاقي وحتى الحضاري." ...نعم " وحتى الحضاري " تقول الأستاذة …

دعوني من السياسة ...قرأت الرسالة فكريا وثقافيا ...هيا نتابع نقاش مدارسنا واكاديميينا ...هناك شيء يحدث …

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات