تونس الخائضة / الخايضة.. تونس الانتقالية.

Photo

الحل في مزيد من الصراع الديمقراطي لفرز القوة الاكبر

هل توجد قوة او قوى سياسية قادرة اليوم على حكم البلاد لتنجز مشروع الاصلاحات الكبيرة المعلومة عند الجميع لتذهب بتونس نحو انتقالها الاقتصادي الذي يهدئ من روعها الاجتماعي و يطمئن الناس على مصائرهم المادية و على مستقبل ابنائهم و حقهم في حياة كريمة؟

الجواب طبعا: لا كبيرة.. بدون تردد و لا تنسيب ....لا احد قادر على انجاز ما يريد فالجميع قادر على تعطيل الجميع و الكل قادر على ايقاف كل شيء بقطع النظر عن موازين القوى الفعلية …

لماذا؟ لا يتعلق الامر بعجز هيكلي في الفكرة السياسية او في حجم المقترحات فالمشاريع و عناوين الاصلاح واضحة متفق عليها و ملقاة على قارعة الطريق يعلمها الجميع و يمكن ان يخطب بها الكل ...مواطن الاعاقة ظاهرة بينة و وسائل العلاج لا تخفى على أحد و كثير من العزائم الصادقة موجودة في كل الاحزاب و لدى كثير من الكفاءات المستقلة.

ما الامر اذن؟

انه مسار محاصر و انزلاقات بدأت شيئا فشيئا بخطة او بدونها جعلت المشهد السياسي متشظيا بشكل لا رأب لصدعه مما يوزع القوى الاصلاحية فيجعلها متناحرة او عاجزة عن الوحدة لمواجهة اقليات معطلة لكل اصلاح.

انها دولة عميقة ضعف فيها تيار الاصلاح الذي ساهم في انقاذ البلاد عشية 14 جانفي 2011 حين اجبر المخلوع على المغادرة و الذي ساهم في تحصين مخرجات انتخابات اكتوبر 2011 و حجم من اراد الانقلاب عليها. هذا التيار اليوم لا يملك الا الدفاع على سلمية الصراع و التصدي للانحرافات الانقلابية من داخل الدولة او خارجها و لكنه لا يملك دعم مسار الاصلاحات الكبيرة و مغامراتها بدون وجود قوة سياسية شعبية عميقة قادرة على تعبئة مجتمع منقسم او مشتت كما تبينه الانتخابات او استطلاعاتها.

تيار اصلاحي ضعيف في الدولة العميقة و قوى سياسية اصلاحية منقسمة و غير ممسكة بالعمق الشعبي تماما يجعل الاصلاحات الكبيرة مغامرة لا يقدم عليها احد خصوصا حين تكون اجهزة " العنف الرمزي " للدولة بدون عقيدة واضحة تجاه الاصلاح .الجسم القضائي بما هو قوة اصدار الاحكام القانونية و الجسم الامني بما هو قوة تنفيذها تتجاذبهما تيارات متناقضة ليست كلها متبنية لعقيدة الاصلاح و الثورة ففي المراحل الانتقالية تنشط جيدا لوبيات الاستعصاء عن الاصلاح و تنال بدورها ايضا نصيبها في عمق دولة خرجت حديثا من الاستبداد و انفتحت مربعات نفوذها امام الجميع .

الادارة التي يعتبرها البعض فخر الدولة التونسية و ينسب لها كثيرون انحيازها للثورة و الانتقال عشية 14 جانفي 2011 اصبحت اليوم أكثر محافظة و ركونا الى الجمود و العصيان في غياب قوة سياسية وازنة و شجاعة تمنح هذه الادارة احساسا بان هناك قيادة تحكمها و تدفعها الى مجاراة الاصلاح و نسقه.

المنظمات الاجتماعية و مجموعات الضغط المدني و الاعلام و السلط المعرفية بالبلاد اصبحت بدورها أذرعا في مشهد سياسي متشظ و محكوم بصراعات هووية استطاعت من خلالها القوى المالية و الاقتصادية المتضررة من الاصلاح ان تتحكم بنصيبها في هذه المنظمات و القوى و السلط الرمزية حتى تؤبد مسار الدوران في الحلقة المفرغة بلا اصلاح على امل ملل الناس و خفوت الرغبة في الانتقال لتستعيد هذه القوى سلطة تقرير المصير السياسي للبلاد كما تقرر الان مصيره الاقتصادي.

حالة الجدل السياسي العمومي في الساحة العمومية الحرة تبدو عقيمة نظرا لغلبة منتوجات نظام " التفاهة " من سياسيي المطر الاخير ( الجدد ) ممن ارتفع صوتهم اكثر من سياسيي الافكار و المشاريع ما يحول الجدل الديمقراطي الى شيء مكروه يعاديه الناس فيطلبون بشكل غريب و عجائبي ان تصمت الديمقراطية و يعلنون رغبتهم في وضع رقابهم تحت " بوط المستبد العادل" في استعادة سخيفة لنفس فكرة " دعاة " عصر النهضة بعد انهيار تجارب الاصلاح و قرب مجيء الحملات الاستعمارية اواخر القرن 19 و هي فترة تيه لا تقل احباطا عما تعانيه الشعوب العربية راهنا .

لا شيء اليوم يحفظ سلمية الصراع في تونس " الخائضة (في جدلها العمومي) / الخايضة في فوضاها السياسية الا بعض رعاة للانتقال من خارج البلاد و خارجها يدركون ان كسر التجربة يفتح على المجهول و يمنح البلاد لفاشيات ضعيفة و اجهزة عنف الدولة العمياء التي تضر بالبلد و الاقليم كله.

الحل هو مزيد من الصراع الديمقراطي السلمي ليفتك المصلحون بلدهم بدعم كبير من عمق شعبي ضاغط …

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات