بمناسبة ذكرى رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، ارتأيتُ أن أتعرّض لبعض الإشكالات المتّصلة بالطرح القومي، ذلك الطرح الذي نال من جيلي سنواتٍ من المطالعة غير المؤطّرة خلال سنوات الجامعة (منها ساطع الحصري في "دفاع عن العروبة"، والكواكبي في "ام القرى" و سيف الدولة في "نظرية الثورة العربية"، إضافة الى عفلق وبيطار...)، في محاولةٍ متواضعةٍ لتفكيكها، وتقديمها باختزال شديد كالاتي.
هذا، وتتقدّم القومية العربية، في صيغتيها الناصرية والبعثية، كموضوعٍ إشكاليٍّ فلسفياً. فهي تنشأ في أواخر العهد العثماني، وتنتشر على مدى نحو ثمانية عقود، وتعبّئ الملايين باسم الكرامة والوحدة، ومع ذلك تظلّ حصيلتها السياسية، اليوم، هزيلةً بشكلٍ مثيرٍ للحيرة. ولفهم هذه الفجوة بين ضخامة الوعد وفقر النتيجة، لا بدّ من التفكير فيها لا كحادثٍ عابرٍ في التاريخ، ولا كمجرد خطأٍ في التوجيه، بل كنتاجٍ لتوتّرٍ بنيويٍّ بين ثلاثة مستويات وهي :
(1) الشكل السياسي المعتمد، و
(2) الحالة الفعلية للعالم، و
(3) منطق الرأسمال العالمي.
(1) التوتّر المؤسِّسْ :شكلٌ تاريخيٌّ تجاوزه الزمن عند ولادته
فالسمة الأولى للقومية العربية هي "لا-معاصرتها البنيوية" (anachronisme structurel). فهي وُلدت في لحظةٍ أصبحت فيها صيغة الدولة-الأمة (l’État-Nation)، الموروثة عن القرن التاسع عشر الأوروبي، تجاوزتها عَبْرَنَةُ رأس المال (transnationalisation du capital). كان "بسمارك" في ألمانيا و"كافور" في إيطاليا قد بنيا الدولة-الأمة انطلاقاً من برجوازياتٍ وطنيةٍ متكوّنةٍ بالفعل، في فضاءٍ كانت فيه السوق الداخلية والدولة يتولّدان معاً. أما القومية العربية، فهي تأتي بعد الاستعمار، وبعد التقسيم العالمي للعمل، وبعد تشكّل سوقٍ عالميةٍ سبق أن أناطت بالأطراف موقعاً تابعاً. وعليها بالتالي أن تُنتج في آنٍ واحدٍ "الأمة" و"الشروط المادية" لوجودها. هذا التزامن المستحيل هو مصدر كل التناقضات اللاحقة.
ولقد أرادت القومية العربية أن تكون مناهضةً للسوق في شرعيتها (السيادة، الكرامة، الاستقلال) ومواليةً للسوق في وسائلها (التصنيع، التخطيط، الإنتاجية). فلقد نفت المبدأ الذي كانت تطبّقه. وهذا التناقض الأدائي هو ما يجعلها، لا "لا-تاريخية"، بل في معاصرةٍ زائفة، أي حاضرةً زمنياً، متخلّفةً مقولياً. ولم يتوقف العِــلْمُ، وهو شاهد الزمن الحاضر الوحيد، عن تسجيل هذه الفجوة، أي في مآزق الإحلال مَحلّ الاستيراد، وفي عيوب المعلومات في التخطيط المركزي، وفي موازين القوى العسكرية الفعلية التي لم تستطع الأيديولوجيا إلغاءها.
(2) الحصيلة السياسية :اغتراب حمائي
أما السّــمة الثانية فهي الحصيلة السياسية المحدودة للغاية لهذه الحركة. لقد أنتجت القومية العربية تحوّلاتٍ اجتماعيةً حقيقية (إصلاح زراعي، تعليم، تأميمات، تصنيع) بقطع النظر عن وجاهتها وأدائها، لكنها أدرجتها في تشكيلٍ مؤسسيٍّ انتهى إلى الانقلاب على التنمية نفسها.
وفي هذا الصدد، ثمة ثلاث آلياتٍ تفسّر هذا الانقلاب. أولاً، الجيش كمؤسسةٍ مركزية. ففي الجمهوريات المنبثقة عن انقلابات الخمسينيات والستينيات، لم يكتفِ العسكريون بالاستيلاء على السلطة، بل شكّلوا الدولة، محوّلين الجيش إلى فاعلٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ كانت إعادة إنتاجه تتقدّم على أي استراتيجيةٍ تنموية. ثانياً، مصادرة الديمقراطية كشرطٍ للريع. فلقد برّرت أولوية التحرير الوطني إلغاء الحريّـات، لكن هذا التبرير خلق بِــنْيةَ حوافز منحرفة؛ اذْ انّ النخبة لم يكن لديها أي مصلحةٍ في إتاحة ظهور قوى مضادة. ثالثاً، الريع كبديلٍ عن الإنتاجية. فلقد أتاحت الثروات الطبيعية والمعونات الخارجية والاستدانة للدولة تمويل السلم الاجتماعي دون بناء قاعدةٍ إنتاجيةٍ متنوّعة، معفيةً النظامَ من أي شرعيةٍ ديمقراطية ومن أي انضباطٍ تنافسي.
والنتيجة هي اغترابٌ سياسيٌّ حمائي. نظامٌ يرفع شعار التقدّم وهو يغلق، بمنطق إعادة إنتاجه ذاتَه، شروط التقدّم. ليس بالضرورة خيانةً بسوء نية، بل تسويةً اجتماعيةً ضمنية (توظيف، تعليم، إعانات مقابل إبعاد السياسة) ظلّت تعمل ما دام الريع قادراً على تمويل التوزيع. وعندما نضب الريع، اختار النظام السيطرة بدل الإصلاح. وهذا ما يمكن تسميته، في غياب مصطلحٍ أفضل، تخلّفاً تنموياً، أي مساراً تاريخياً أنتجته تركيبةٌ محدّدةٌ من القيود الخارجية والخيارات الداخلية.
(3) المقارنة الآسيوية :البرهان بالفارق
يجد هذا التحليل تأكيده في المقارنة مع جنوب شرق آسيا. ففي عام 1960، كان دخل الفرد في الدول العربية غير النفطية أعلى من دخل كوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند. وبعد خمسين عاماً، انقلب الفارق واتسع. والاختلاف ليس ثقافياً في المقام الأول، بل هو جيوسياسيٌّ ومؤسسي. فلقد استفادت دول شرق آسيا، خلال الحرب الباردة، من وصولٍ مميّزٍ إلى الأسواق الغربية ومن حمايةٍ استراتيجيةٍ أتاحت لها التركيز على التنمية الصناعية. أما العالم العربي فقد عانى، في الفترة نفسها، من ضغطٍ عسكريٍّ مباشرٍ بلا نظير. والأهم أن غياب الريع أرغم اقتصادات شرق آسيا على انضباطٍ إنتاجيٍّ استطاع العالم العربي التملّص منه. فحيث بقي الجيش تابعاً لاستراتيجية التنمية، أمكن للنظام أن يُصلح؛ وحيث أصبح فاعلاً ريعياً، أغلق كل تحوّل.
(4) لا لا تاريخية و لا عرضية
إذن، القومية العربية ليست خارج التاريخ. إنها خارج الحالة الراهنة للتاريخ، أي في تخلّفٍ عن الحاضر الفعلي كما يثبته العِــلمُ. لم تفشل لأنها قومية، ولا لأنها كانت بالضرورة ضحية سوء نيةٍ خارجية، وإن كان لهذه دورٌ كبير. فلقد فشلت لأنها أرادت أن تسكن شكلاً تاريخياً لم يعد متاحاً في اللحظة التي نشأت فيها، ولأنها فعلت ذلك بوسائل تنتمي إلى المنطق ذاته الذي ادّعت محاربته.
سيرى فيها هيغل لحظةً مجرّدةً من الرّوح، إرادةً تتوهّم الحرية دون أن تملك وسائطها. وسيرى فيها ماركس نتاجاً ضرورياً للرأسمالية العالمية في مرحلتها الإمبريالية، ضرورياً تاريخياً كردّ فعل، وغير كافٍ تاريخياً كمشروع. والقراءتان تلتقيان عند نقطةٍ واحدة وهي أنّ القومية العربية لم تكن محكومةً سلفاً بجوهرٍ ما، بل بعدم تلاؤمٍ بين الشكل السياسي المعتمد والحالة الفعلية للعالم. وبهذا المعنى، فهي ليست حادثاً عابراً، بل مسارٌ تاريخي. مسارُ طرفٍ يحاول صنع التاريخ بأدواتٍ تجاوزها التاريخ بالفعل.
فماذا بقي اليوم من القومية العربية سوى الانحراف النظري المتراكم الذي لم يلتق من يسدّه، إن مازال هناك قومية عربية ذات ضرورة تاريخية.