الولاء و جدران الإدارة

في عام 2012، زرت احدى الادارات في قاعة اجتماع حيث عُلّق على جُدرانها صورُ مسؤولين ساميين سابقين، ومن بينهم مسؤول سابق كان في ذلك الوقت رهنَ التتبعات القضائية بسبب تُهمِ فساد مالي واداري قبل 14 جانفي.

وفي الواقع، لم أجرأْ على التعليق في ذلك الاجتماع على عدم تنحية صورته التي تمجّده، اذْ لم يكن شخصيةً تُمثل محطّة تاريخية لا بدّ من الوقوف عندها ولم تكن كذلك جدران الادارة متحفًا للذاكرة الجمعية، سيما وان هذه الشخصيات تنكّرت لوطنيّــتها في وقتٍ معيّن وأفسدت المال العام وسرقت أموال التونسيين وساهمت - كل قدير وقدرو- بالفعل أو بالصمت أو بالتواطؤ فيما آلت إليه أمور الدولة وحالة الناس.

وسببُ نفاجئي هو انّ اغلب المداخلات اتخذت منه مرجعًا "لأفضل الممارسات في ادارة مشاريع الدولة"، وكأنّه نبيّ يُوحى إليه، بدون الانتباه الى ان أغلب الحاضرين لم يكونوا قادرين على معالجة القضايا الاقتصادية بطريقة مختلفة ولم تكن لهم ملكة الابداع ولا الافكار الشخصية التي تتجاوز الجوانب الاجرائية المُكبّلة للفعل حتى في أبسط الاشياء، بالرغم من اتساع هامش المبادرة في ذلك الوقت.

وكان "الولاء للاجراءات" المُعطّلة، والتي تخدم فئة من الناس دون غيرهم -وهي قانونية لا محال- يكاد يكون مُقدّسا، بل مُستحسنا من قِبل بعضهم.

وبدون التوسع في هذا النوع من "الانزلاقات المنهجية" التي تخلط "الموضوع وأهدافه مع الطريقة أو الوسيلة لتحقيقها" وهو انزلاق خطرٌ، كان ضحيته العديدُ من الذين اقتحموا المنابر الاعلامية من اقتصاديين وحقوقيين وخبراء محاسبة ومؤرّخين (ولا اعمم بالطبع) بحسن نية او دون ذلك-

وعرفْتُ منذ ذلك الوقت، أنّ من بين "الاسلِحة النـّـاعمة" ضد الانجاز هي تلك "الاجراءات البالية"، وأنّه سيكون لها دورٌ محدّد في ادارة الانتقال، وأنّ قوْسيْ الفُسحة سيُغلقان عاجلا ام آجلا ما لم يتمّ الاهتمام الجدّي برمزيات الامور، وما لم تفرض النخبة السياسية المؤهلة لإدارة الشأن العام (بمُوالاتِها ومعارضيِها وبما يجمع بينها من مشترك) شرعيتَــها من خلال فنّ القيادة والجدارة في "خدمة البلد والمواطن في آخر المطاف"، وهو كان يتماشى في حقيقة الامر حتى مع مصلحتها السياسية في المنظور الاستراتيجي.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات