نشر وترسيخ الأخطاء الشائعة خاصة في الاقتصاد

Photo

في الأزمات الاجتماعية المزمنة وضعف الدولة وتأخر النخبة المثقفة عن لعب أدوارها وانعدام الثقة بين الناس وتهافت الوصوليين نحو التموقع، تُخصّص المنابرُ لأهلها ولغير أهلها، ويقود الناسَ دون أجدرِهم، وتنتشر الإشاعات والمغالطات والاستطرادات عن القضايا الأساسية، ولكن كذلك تترسّخ أشكالٌ من الكسل في التفكير مكتسحةً ميادين الاختصاص الى حدّ اعتبار ما يُسمى بــ "التحاليل" في الفضاء العام "حقائقَ" ثابته قد تخدم مصلحة المستفيدين من الأزمة. فيستسيغها عامّة النّاس باعتبار بساطتها وسهولتها ويبنون عليها مواقف، ويتوجّه ادراكُهم للنّخب بما يتوافق مع مصالح المستفيدين من الأزمة، وتتسرب في دوائر القرار وتؤثر على الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ومن المفارقات أننا نجد بعض "المتخصصين" منخرطين في نشر وترسيخ الأخطاء الشائعة خاصة في الاقتصاد حيثُ نُوضح ذلك من خلال الأمثلة التالية:

1. سـ : لماذا تُعاني المالية العمومية من العجز الهيكلي في عام 2020؟ جـ : "بسبب التوظيف الذي قامت به الترويكا في القطاع العام الامر الذي أنهك ميزانية الدولة، اضافة الى اثار الكورونا".

قد يكون ذلك صحيحا في العام الذي تم فيه ما اعتُبر "افراطا" في التوظيف، لكن علميّا لا يمكن اعتبار تداعياته متواصلة على المالية العامة بهذه الأهمية طيلة 10 سنوات. وفي نفس الوقت وزير المالية المستقيل أنداك الذي تحدّث بكل حماس – لكيلا أقول بكل عاطفة وانطباع- وبدون تقديم بدائل لعدم اختصاصه في الموضوع، لم يكن دقيقا ولم يقدم أرقاما موثوقة تدل على الافراط في التوظيف وقد استمر منذئذ في هذا المنحى سنوات عديدة الى أن أعلن عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية في عام 2016 عن عدم صحة هذا الكلام الذي مع الأسف ترسّخ في الذّاكرة الجمعية وتبناه بعضٌ من طلبتنا ومن الاقتصاديين الشّبان الذين نشروا أراءهم في اقتصاد البلاد حيث تضمنت بعضَها ملفاتُ التأهيل الجامعي في الاقتصاد التي قيّمناها ولم نأخذها بعين الاعتبار لعدم نشرها في مجلات علمية مُحكّمة.

2. ســ : لماذا سعت كل الحكومات المتعاقبة مثل الحكومة الحالية الى التقليل من كتلة الأجور في ميزانية الدولة بإيقاف التوظيف؟ جــ ـ: "لانّ تكاليف الأجور تتصدر نسب المصاريف الجارية للدولة وهي العبء الاثقل الذي يتسبب في العجز العام وفي عجز الصناديق".

بدون إطالة، هذه نظرة لا تخضع الى المنطق العلمي ولا تستفيد مما منحه الاقتصاد الكلي الحديث من وسائل تحليل ولا تستجيب الى مفهوم الدولة ولا تخضع الى متطلبات الانتقال الديموقراطي.

(1) إذا أردنا ان تخفض من نسبة الأجور في الميزانية لماذا لا نرفّع في المكونات الأخرى من الواردات الضريبية المُستحقة وغير الضريبية بدون الترفيع من نسبة الضرائب كهدف مُحدد؟ إذا أردنا أن تخفض من نسبة الأجور في الناتج المحلي الإجمالي، لماذا لا نحدد هدف الترفيع في نسبة النمو بسياسات مٌعينه؟ إذا أردنا ان تخفض من كتلة الأجور بإيقاف التوظيف في القطاع العام، لماذا لم نُهيّئ القطاع الخاص ليتولى مهمة خلق مواطن الشغل عوضا عن القطاع العام؟ الدولة تبحث عن الأداء الاقتصادي، لكن لها دور اجتماعي يضمن السلم الاجتماعية والاستقرار السياسي، اذْ عليها ان توفق بين البُعديْن الاجتماعي والاقتصادي– ما لم نسمعه في الخطاب الرسمي منذ سنوات.

3. ســ : الخروج من ازمة الكورونا الحالية يتطلب تدخلا من السياسة المالية أو النقدية؟ جــ : "سياسة مالية لانّ السياسة النقدية ستكون تضخمية ومستهلكة للعملة الاجنبية التي قد تدفع بتدهور هيكلي للدينار".

في كلمتين خفيفتين، هذا الكلام غير دقيق وهو تكرار آلي للخطاب الرسمي الاقرب الى الخاطء منه الى الصواب لأنّ صياغة السياسات التعديلية في الواقع تقوم على محاكاة إحصائية وتطبيقية مندمجة تجمع بين المعطى النقدي والمعطى الحقيقي للاقتصاد. فلا يمكن للبنك المركزي ان يحدد أهدافه خلال الازمة ويُعلن عنها بطريقة غير دقيقة بمعزل عن اهداف السياسة المالية التي لم يُعلن عنها الى يومنا هذا بالدقة الكافية! فمهما كانت وجاهة السياسة النقدية بمعزل عن السياسة المالية، فإنها لن تكون ذات النجاعة المطلوبة في صورة وجود تضارب مصالح مؤسّسية: هذا يريد ان يحافظ على المخزون من العملة الاجنبية والاخر يريد أن يدفع الاقتصاد وانعاشه من جهة الطلب في المدى القصير، فيلتجئ الى التداين أو الضرائب أو الى إجراءات لا تخضع الى الدروس المستفادة من علم الاقتصاد. فنحن في أزمة اجتماعية قد تنفجر على الجميع والاولوية اذن هي دفع الاقتصاد الحقيقي وليست استقرار الأسعار سعر الصرف الذي هو – في أغلب الاحيان- من قبيل التعديل قصير المدى وإلاّ فان السياسة النقدية ليست تلك التي وجب اتباعُها.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات