الرّحوي يصف الوطد بــ"المُضْـطَهَـدْ".

انْ صحّ هذا التصريح فانَّ وصفَ حزب "الوطد" بأنه "مُضطَهَدٌ" يقتضي وقفةً نقديةً متأنّــية. لقد أتيح لي شخصيًا أن أكون شاهدَ عيان على نشأة هذا التنظيم؛ بدءًا من مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، حينما تشكّل كتيّار يساري في فضاء الحركة الطلابية، إلى جانب تيارات يسارية أخرى كـ"وطج" و"نقاثو"، ومرورًا بمرحلة ما بعد سنة 2011، حين تحوّل إلى حزب سياسي تحت مسمّى "حزب الوطد المُوحّد".

وإنّي، بناءً على متابعتي المباشرة، لأستبْــعدُ جُـملةً وتفصيلًا أن يكون هذا الحزبُ قد احتلّ في أيّ مرحلة من مراحلِـه موقعَ المُضطَهَد، ما لم نكن قد اختلفنا جوهريًا حول دلالة مصطلح "الاضطهاد" ومضامينه.

وإنّي إذْ أُدلي بهذه الشهادة، قاصدًا منها توثيقَ حقيقة تاريخية كما شهدتها، لأؤكّد، في غاية ما تتيحه الموضوعية من إمكان، أن "الوطد" كان بمثابة "الابن المدلّل" لكلِّ الأنظمة والحكّام الذين تعاقبوا على سدّة الحكم، إذ حظيَ بامتيازاتٍ على الأقل سياسيةٍ، لم تكن لتُتاح لبعض من يُنسبون إلى التجمع الدستوري الديمقراطي (RCD) المنحلّ. وإني لأُغضي الطرف هنا عن ذكر السيد الرحوي تحديدًا، ذلك لأنه لم يكن معروفًا في الأوساط السياسية، أو لأنه لحداثة بروزه الإعلامي، لم يعاصر تلك المحطات التاريخية للوطد.

فكيف يُوصفُ هذا التنظيمُ بالمُضطهَد، وهو يشارك بصفته طرفًا رئيسيًا في "المؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة" الذي انعقد بالمركّب الجامعي سنة 1988، تحت رعاية أجهزة الأمن (BOP) وحمايتها الصريحة في باحة الكلية؟ وكيف يكون مضطهدًا، في حين نادرًا ما كانت تُتّخذ إجراءاتُ اعتقال في حق قياداته (أتحدّث عن القيادات، وليس الطلبة من الصف الثاني أو الثالث في ذلك الوقت مثل شكري بالعيد رحمه الله) اثر بعض التحركات العنيفة أو إضرابات الجوع، بدءًا من محرز، مرورًا بسمير المتلوّن الانتماءات وصولًا إلى خليفة؟ وما معنى الاضطهاد في سياقٍ يتخرج فيه عددٌ من منتسبي اليسار عموما من الجامعة لينخرطوا في "برسبيكتيف" (Perspectives)، ليصبح الكثير منهم بعد ذلك وزراءَ أو مستشارين أو قضاة مُستخدمين في الأحكام القاسية المعروفة، في قائمةٍ تكاد تطولُ ولا تنتهي، في عهد بن علي؟

أيُّ اضطهاد هذا، وهم لم يُحرَموا من ممارسة النشاط الجمعياتي اليساري؟ وأيُّ قهرٍ يعانونه، وهم لم يُمنعوا من الالتحاق بالوظيفة العمومية؟ واي اضطهاد عدى بعض المطاردات التي لا تكاد تُروى طيلة أكثر من أربعة عقود؟

وإن كان المقصود بالاضطهاد هو الضائقة الاقتصادية والاجتماعية، فذلك معنى قد يكون مفهومًا، لكنه ليس حكرًا على حزب الوطد، ولا غيره.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات