هل تجوز الإساءة الى شخص رئيس الجمهورية بين التجربة الفرنسية والإرث الاستعماري التونسي ؟

"Macron baise ta prof pas les nôtres"

يضعنا الشعار الساخر والمبتذل—الذي رفعه بعض الطلبة في فرنسا خلال موجة الاحتجاجات التلمذية والطلابية الأخيرة، وفيه إيحاء "مغرض" ضد الرئيس إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت التي كانت في وقت ما أستاذته: "ماكرون.. اخدع أستاذتك ولكن ليس أساتذتنا" (Macron baise ta prof pas les nôtres)—مباشرة أمام واحدة من أعقد الإشكاليات الفلسفية والقانونية في الفكر السياسي المعاصر وهي التصادم بين الأخلاق والقانون .

فهذا الشعار، الذي ظهر مباشرة في إحدى نشرات الأخبار على قناة تلفزية فرنسية وأثار غضب ماكرون يطرح سؤالاً عميقاً: كيف يمكن لفعل أو قول أن يكون مداناً ومرفوضاً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية لانتهاكه قيم اللياقة والشرف—فلا أحد بإمكانه أن يستسيغ التعرض للحياة الزوجية لأي كان سواء كان رئيسا أو شخصاً من عامة الناس—وفي الوقت نفسه مباحاً أو غير مجرّم من الناحية القانونية، خاصة وأنه لا وجود في القانون الفرنسي الحالي لجرم الاعتداء بالقول على شخص رئيس الجمهورية؟ إن فهم هذا التناقض يتطلب منا تتبع مسار التطور الديمقراطي الذي قاد إلى إلغاء "جرم المس بالذات الرئاسية" في فرنسا، مع مقارنة هذا المسار بنظيره في المنظومة القانونية التونسية، التي ما زالت تحتفظ بالملامح الاستعمارية لهذا المفهوم وتتوسع في تطبيقه.

1 )) التجربة الفرنسية وإلغاء جنحة "إهانة رئيس الدولة"

تاريخياً، عرفت فرنسا مخاضاً قانونياً قاد في الأخير إلى قطيعة تامة مع إرث استبدادي ملكي. فقد كانت جنحة "إهانة رئيس الجمهورية" (المادة 26 من قانون حرية الصحافة الصادر في 29 جويلية 1881) امتداداً مباشراً للجريمة "المساس بالذات الملكية (Lèse-majesté) الموروثة عن العهد الملكي "وقوانين نابليون.

وعلى الرغم من أن هذا القانون سقط عقوداً في طي النسيان، إلا أن الحادثة الشهيرة عام 2008 للرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي أعادته إلى السطح؛ وتتمثل في رفع الناشط السياسي هيرفي إيون لافتة في وجه الرئيس ساركوزي كُتب عليها: (انصرف أيها الأحمق البائس(1) ،

وهي ذات العبارة التي وجهها ساركوزي بغضب لفلاح في وقت سابق. وعلى إثر حادثة شتم رئيس الدولة من قبل الناشط أصدر القضاء الفرنسي حكماً بالإدانة ضد هيرفي إيون من خلال تغريمه رمزياً، فلجأ الرجل إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بعد استنفاد كل درجات التقاضي في فرنسا .

غير أن ، المحكمة الأوروبية أصدرت في مارس 2013 حكمها التاريخي بإدانة الدولة الفرنسية، معتبرة أن العقاب الجزائي في قضايا السخرية السياسية—حتى ولو كان مجرد غرامة رمزية—له "تأثير قمعي" ورادع يهدد حرية التعبير وفقاً للمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية. وإذعاناً لهذا الحكم، أقر البرلمان الفرنسي في 5 أوت 2013 إلغاء المادة 26 تماماً، حاذفاً إياها من المدونة القانونية الفرنسية نهائياً.

منذ ذلك التاريخ، أصبح رئيس الجمهورية يُعامل كمواطن عادي؛ فإن طاله سب أو قذف علني أو انتهاك لحياته الخاصة، لا تتحرك النيابة العامة من تلقاء نفسها ، بل يتعين عليه أو على زوجته رفع دعوى شخصية وفقاً للقانون العام وإثبات سوء النية الكامن وراء الفعل، وهو ما يعني أن النيابة العمومية لا يمكنها في قضية الحال أن تحرك أية دعوى لملاحقة الطلبة جزائياً بموجب "الصفة الرئاسية.

2 ) )في القانون المقارن… المنظومة التونسية والمفارقة الاستعمارية (الفصل 67)

لم نتعرض إلى هذه الحادثة لمجرد الحديث عن القانون الفرنسي أو متابعة منا لأحداث الانتفاضة الطلابية في فرنسا، رغم أهمية ذلك بالنسبة إلينا باعتبار انتمائنا سابقا الى الأسرة التربوية ونظرا لتشابه المعضلات التي تعرفها المنظومة التعليمية في فرنسا وفي تونس من قبيل نقص الاطار التربوي أو إغراقه بأعباء لا قبل له بها أو اهتراء البنية التحتية للمؤسسات التربوية من معاهد وكليات أو غموض أفاق المستقبل في وجوه المتخرجين الجدد ، بل لغاية المقارنة بين التشريعين الفرنسي والتونسي في ما يتصل بالإساءة الى شخص رئيس الجمهورية ؛ ففي مقابل هذا التحرر التشريعي الفرنسي الذي اشرنا اليه بإيجاز ، تبرز مفارقة كبرى في المنظومة القانونية التونسية، حيث لا يزال الفصل 67 من المجلة الجزائية نافذا والمتعلق ب "إتيان أمر موحش ضد رئيس الدولة" .

وجدير بالذكر أن هذا الفصل موروث بالكامل عن الترسانة الاستعمارية الفرنسية إذ تم اقتباسه من قانون الصحافة الفرنسي لعام 1881 وإسقاطه في المدونة التونسية بموجب أمر 9 جويلية 1913 الصادر عن الباي لحماية سلطات الحماية والذات الملكية من النقد .

وبعد استقلال تونس في 20 مارس 1956، وبدلاً من إلغاء هذا القانون الزجري ذي الجذور الملكية الاستبدادية، قام الرئيس الحبيب بورقيبة بتنقيحه بموجب أمر 31 ماي 1956 عبر استبدال لفظ "الباي" بلفظ "رئيس الدولة"، مع الإبقاء على عقوبة السجن التي تصل إلى 3 سنوات.

المثير للاهتمام هنا هو تباين توظيف هذا الفصل عبر المحطات السياسية التونسية المعاصرة:

فقد ظل الفصل 67 شبه مهجور في المحاكم التونسية في عهدي بورقيبة وبن علي وخاصة في عهد هذا الأخير الذي لم يلتجئ اليه أبدا على حد علمنا ليس تسامحاً منه ولا أن الأمر ناتج عن نزعة ديمقراطية، بل لأن النظام وقتها استعاض عنه بترسانة من التهم الفضفاضة والغامضة الأكثر قمعاً والمغلفة بغطاء الدفاع عن الأمن العام (مثل "ثلب النظام العام" ونشر "أخبار زائفة "). وكان ذلك تجنباً من بن علي لحشر اسمه ضمن القضايا التي تنظر فيها المحاكم، أو ربما للاستهلاك الخارجي وتجنب الإحراج الدولي المرتبط بتهم حماية شخص الحاكم.

بعد ثورة 2011، لم يلجأ الرئيس محمد المنصف المرزوقي إلى هذا الفصل بتاتاً، رغم انه كان من الممكن أن يفعل ذلك بموجب القانون ساري المفعول ورغم كل ما طاله من سباب وقذف شمل اتهامات ممعنة في السخرية والمس من شرفه ونزاهته (من قبيل ترويج إشاعات حول حياته اليومية داخل القصر الرئاسي كأكل الكافيار والقاروس والافتراء عليه بالمسكر)، تجسيداً منه لمبدأ حماية مناخ الحريات الجديد. ولقد ظل المرزوقي يذّكر بذلك بكل فخر في كثير من احاديثه فهو "الرئيس الذي لم يلاحق أحدا رغم كل ما طاله من شرور" في نظره .

غير انه أعيد إحياء هذا الفصل في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، حيث أُثيرت عدة قضايا شهيرة بناءً على الفصل 67 ضد ناشطين ومدونين انتقدوا الرئيس أو سخروا منه (وليس هذا مجال استعراضها فلا تزال مدونات المحامين تحتفظ بالكثير من تفاصيلها). غير أن أحكام القضاء اتجهت غالباً إلى "عدم سماع الدعوى"، وذلك لسببين: أولا لأن القضاء التونسي استطاع في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2021 افتكاك مساحة لا بأس بها من الاستقلالية تماشياً مع مناخ الحريات ومدفوعاً بشعارات الثورة وبدستور 2014، والثاني هو النشاط الحقوقي والمدني القوي والفعال الذي شكل جدار صد الثورة المضادة.

غير أن الفصل شهد عودة لافتة وتوسعاً غير مسبوقين في التطبيق عقب إجراءات 25 جويلية 2021 ؛ حيث تحول إلى أداة ملاحقة سريعة وجاهزة طالت سياسيين و إعلاميين، ومدونين. ( وآخر القضايا المتعلقة بالإساءة الى رئيس الجمهورية وليس بالعهد من قدم هي التي تعلقت بعضو حراك "نفس" المعارض، سيف الدين العرفاوي مع الحكم عليه لمدة سنة ونصف (عام وستة أشهر) مع النفاذ العاجل وان كانت النيابة العامة لم تلتجئ هنا الى الفصل 67 من المجلة الجزائية وإنما الى الفصل 86 من مجلة الاتصالات )بل وتعزز بآليات قانونية زجرية مستحدثة عبر المرسوم رقم 54 لسنة 2022، مما خلق شعوراً عاماً بالخوف من التعرض لمسؤولي الدولة وموظفيها وعلى رأسهم رئيس الجمهورية بأي نقد، فقد أصبح من السهل على السلطة—بواسطة قضاء تلاحقه اتهامات بعدم الاستقلالية—تكييف هذا النقد وإدراجه ضمن تهم الفصل 67 أو الفصل 86 من مجلة الاتصالات أو المرسوم 54 (وقع تعديله أخيرا مع الإبقاء على عقوبة السجن في حالة العود ).

من الغريب حقاً أن فرنسا (البلد الذي ورثنا عنه هذا القانون الزجري الذي صنع لحمايةً ملوكه ورؤسائه سابقاً) قد انتصرت في النهاية لحرية التعبير، معتبرة أن تعرض المسؤولين المنتخبين للنقد—مهما كانت حدته أو مساسه بالأخلاق العامة—هو الثمن المستوجب والضروري لحماية الفضاء العام من الاستبداد.

ولكن في المقابل، لا تزال تونس تتمسك بهذا الموروث الاستعماري وتتوسع فيه لإعادة إنتاج " تقديس الذات " عبر نصوص عفا عليها الدهر كالأمر الموحش الذي اخرج من الحكة على حد تعبير المرحوم الباجي قائد السبسي . إن قبول التصادم النسبي بين الأخلاق والقانون بصدر رحب هو علامة صحية على نضج الدولة الديمقراطية؛ فالقانون لا يبارك مضمون الشعارات المبتذلة قليلة الحياء والماسة بشرف الأشخاص إذ يظل يحفظ للأشخاص حقهم في ملاحقة من يسيئون اليهم شخصيا بتهمة الثلب أو الإساءة ، لكنه لا يحرك الدعوى بواسطة النيابة العمومية حفاظا على هيبة الرئيس ضد أي ذي شبهة حماية لحق الأفراد في التعبير خشية أن يتحول واجب الأدب أو الحشمة أو أي منزع أخلاقي اخر إلى حبس يُسجن فيه كل فكر حر.


هامش
( 1) العبارة الصادرة عن ساركوزي قبل الناشط السياسي عامية ومبتذلة ومن غير المستساغ صدروها عن رئيس جمهورية وهي باللسان الفرنسي " casse toi pov con "

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات