بمناسبة 3 أوت ذكرى ميلاد الرئيس بورقيبة : في جذور إعلام الدعاية والتضليل في تونس

ما يحدث اليوم من غياب تام لكل مقومات الاعلام الذي يسمى عموميا كذبا وبهتانا وتحوله الى إعلام حكومي بائس قائم على التضليل والمغالطة والدعاية للشخص القائد الملهم ليس بالشيء المستجد عندنا ولا هو بالغريب ولا هو بالطارئ علينا فهو المصير الذي يلاحقنا منذ ما سمى بدولة الاستقلال أو الدولة الوطنية . انه وليد الدولة التي بناها بورقيبة على قواعد الاستبداد والهيمنة ونفي الراي المخالف وسجن المعارضين واغتيال القادة …

ما يحدث اليوم للصحافة سواء المكتوبة أو السمعية أو البصرية هو حالها منذ 70 عاما (اذا استثنينا سنوات الثورة ) لا جديد تحت الشمس وكأن الزمن عندنا راكد ميت لا حراك به او لعله يتحرك قليلا لكن نحو الأسوأ .. صحيح أن نظام بورقيبة لم يلجأ مثلما يحدث الآن الى سجن الصحافيين بهذه الوتيرة الخارجة عن كل سيطرة ولكن الاختلاف بين وضعية الاعلام وقتها ووضعيته اليوم في عهد قيس سعيد هو اختلاف في الدرجة وليس اختلافا في النوع . فالنوع واحد والماهية نفسها استمدت وجودها من جدانوف وإعلام النظام السوفياتي وحكم ستالين والحزب الواحد الذي يدعي انه يتحدث باسم الطبقة العاملة كما يدعي غيره من الشعوبيين الحديث باسم الشعب ولنفهم ذلك بأكثر دقة فلنلق نظرة سريعة على الاعلام البورقيبي لنفهم جذور الكابوس الجاثم على صدورنا منذ عشرات السنوات كقدر مشؤوم ..فالحاضر ليس إلا وليد الماضي حتى لو اختلف عنه لان قياس الاختلاف بينهما لا يكون إلا بقياس ما كان بما هو كائن .

1 ) ) مصادرة المؤسسة الإعلامية لفائدة " المجاهد الأكبر "

منذ تونسة الإذاعة التونسية بداية من 13 أوت 1956 وتأسيس التلفزة في 1966 استحوذ بورقيبة على هذين الجهازين عبر خطبه وتوجيهاته. لقد كانت لبورقيبة تدخّلات في الإذاعة والتلفزة. وكانت تدخّلاته تغلب على كلّ التدخّلات أي على كلّ التعليمات. وكانت المادّة الإعلاميّة سواء في الإذاعة أو في التلفزة تتضمّن مادّة قارّة تهتمّ بالنشاط الرئاسي ويتداول عليها مجموعة من الصحفيّين الذين تختارهم السلطة بدقّة لا يتجاوز عددهم الأربعة أو الخمسة.

أمّا الأحداث العالميّة فكانت تنتقى بصرامة وكان يحرّم إذاعة أيّ نبإ يتحدّث عن مظاهرات احتجاجيّة أو اضطرابات أو قلاقل في بعض البلدان مثل الولايات المتّحدة الأمريكيّة ويحرّم أيّ خبر عن بعض رؤساء الدول.

وكانت التعليمات تأتي من بورقيبة شخصيّا عندما يلاحظ شيئا خرج عن الخطّ أو يحتجّ على مضمون مّا أو يعبّر عن تعجّبه منه في أهمّ الأحداث الكبرى التي عرفتها البلاد. ولقد وثّقت المؤسّسة محاكمات 62 بعد محاولة الانقلاب في أرشيفها نقلا عن الفرنسيّين لأنّ الانطلاقة الفعليّة للبثّ التلفزيوني في تونس كانت سنة 66. ووثّقت محاكمة أحمد بن صالح بعد تجربة التعاضد سنة 1970 ومحاكمات النقابيّين في 78. وقامت بتوجيه الرأي العام بشكل فجّ وكانت أحداث الخميس الأسود أهمّها عندما تمّ تخوين النقابيّين وتحميلهم المسؤوليّة والزجّ بهم في السجن وهو الحال في أحداث قفصة سنة 1980 وانتفاضة الخبز سنة 1984.

وكان لغياب البدائل الإعلاميّة أن خلق فراغا إعلاميّا فمؤسّسة الإذاعة والتلفزة التونسيّة كانت تحتكر المشهد. وهو ما جعلها بوقا للدعاية للصوت الواحد مقابل تغييب الأصوات المعارضة كما حدث في انتخابات 1981. لقد كانت المؤسّسة في العهد البورقيبي خاضعة للرقابة التامّة والتوجيه الكامل من قبل النظام.

ولئن اتخذت بعض خطب بورقيبة نفسا تعليميّا بيداغوجيّا أحيانا إلاّ أنّه كان يكثر الحديث في خطبه وتوجيهاته عن استعمال القوّة والضرب بدون رحمة أو شفقة وضرب العنق إن لزم الأمر. بل إنّ بورقيبة كان كثيرا ما يصف أعداء الدولة بالمفسدين ويعلن بشكل صريح استعداده كرجل دولة لاستعمال مختلف أنواع القوّة. والقوّة في هذا السياق يقصد بها العنف كأداة مميّزة للدولة. ففي خطاب يتعلّق بولاية القيروان التي مثّلت نوعا من المعارضة الدينيّة لسياسة بورقيبة يقول: "لست مستعدّا للتقصير في الدفاع عن النظام ولن أترك الأمور تجري على عواهنها وسأواجه المفسدين بلا شفقة ولا رحمة وأضرب على أيدي الذين ثبت عداؤهم للدولة".

وقد كان بورقيبة يستمدّ شرعيّة هذا الخطاب العنيف من خلال حالة الانصهار التامّة بينه وبين الدولة التي كرّسها من خلال خطبه التي كانت تذاع على الهواء ومن خلال الحصة اليوميّة التي كانت تبثّ مباشرة قبل الأخبار التلفزيّة والمسمّاة "توجيهات الرئيس".

وتقتات حالة الانصهار هذه من مختلف سمات الزعامة الوحيدة والرأي الواحد من خلال المنابر الرسميّة الخاضعة للمراقبة والتوجيه. ولذلك كان بورقيبة يركّز في كلّ خطبه على إظهار ما ينفرد به من بطولة ومن خصائص مثاليّة وأيضا على الإطناب في الحديث عن فضله الشخصي الخارق للعادة المتمثّل في كفاحه وحكمته التي قادت إلى الاستقلال كما نجد في أكثر خطبه وتوجيهاته. وكانت النتيجة الطبيعيّة لهذه الصورة التي ظلّ بورقيبة يروّجها عن نفسه في الستينات والسبعينات خاصة هي ممارسة وصاية كليّة تقريبا على مصير الدولة والمجتمع وبالتالي الحقّ في التحكّم في قنوات التأثير وتوجيهها من صحافة مكتوبة ومسموعة إلى مرئية في فترة لاحقة. (آمال موسى، بورقيبة والمسألة الدينيّة، ص 153)

2 ) ) بداية تشكل صحافة مستقلّة أو التعدّدية المضطهدة 1975 – 1987

هذا الانغلاق الذي اتسم به النظام وفشل سياسة التعاضد وما آلت إليه من محاكمات أدّيا إلى تململ من داخل الحزب الحاكم نفسه الذي فقد توازنه. فقد بادرت مجموعة من الشخصيّات الدستوريّة بتوجيه نقد مباشر لنظام الحزب الواحد وذلك في بيان صادر في 10 سبتمبر 1974 وقعه كلّ من أحمد المستيري والباجي قائد السبسي وحسيب بن عمّار ومحمد صالح بلحاج والصادق جمعة ومحمد بن عمارة ومحمد مواعدة والحبيب بولعراس.

وبالرغم من أنّ النظام قد رفض في البداية التفاعل الإيجابي مع المبادرة المذكورة وخيّر تفاعلا سلبيّا فأعطى الرئاسة مدى الحياة لبورقيبة في 1975 ورفت من عضويّة اللجنة المركزيّة للحزب كلّ الشخصيات التي وقّعت على بيان 10 سبتمبر 1974. إلاّ أنّه سرعان ما تراجع وقبل التواصل مع الشقّ الخارج عن صفوفه.

في هذا السياق وفي سنة 1976، أعلنت مجموعة الديمقراطيّين الاشتراكيّين عن رغبتها في إصدار صحيفتي "الرأي" "والديمقراطيّة". ولكنّها لم تحصل على التأشيرة إلاّ في ديسمبر1977. كما تمّ الإعلان عن تأسيس الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان في 1977 واستقبل بورقيبة أحمد المستيري يوم 13 أكتوبر 1979.

بعد انفصال المجموعة المذكورة عن الحزب الحاكم، تواصلت عمليّة الانفصال ولكن صلب المجموعة ذاتها فقد حصل خلاف في جوان 1978 داخلها حول الخطوط العريضة والإطار السياسي الذي ستنضوي فيه هذه المجموعة وأدّى هذا الخلاف إلى انفصال أحمد المستيري ومحمد مواعدة اللذين يدعوان إلى تكوين حزب الاشتراكيّين الديمقراطيّين. في حين ظلّت جريدة "الرأي" ناطقة باسم حسيب بن عمّار والباجي قائد السبسي وانفرد هذا الشقّ بإصدار هذه الجريدة منذ 12 أفريل 1979. أمّا الشقّ الثاني الذي أسّس الحزب الجديد بزعامة أحمد المستيري فقد أصدر جريدة "المستقبل" باللغة العربيّة ونظيرتها باللغة الفرنسيّة.

وبعد أحداث الإضراب العام وانفراج الأزمة مع اتحاد الشغل، انعقد مؤتمر الحزب الحاكم الذي أقرّ التعدّدية السياسيّة في أفريل1981 ورفع الحظر عن الحزب الشيوعي. كما تمّ الاعتراف بحركة الوحدة الشعبيّة في نوفمبر 1983 التي أصدرت جريدة الوحدة. وأعادت حركة الاتجاه الإسلامي إصدار مجلّة المعرفة في غرّة نوفمبر .1982 وفي ماي 1984 صدرت مجلّة " الموقف" باسم التجمّع الاشتراكي التقدّمي. وقد برز التجمّع الاشتراكي سنة 1983 كحركة يساريّة حاولت تجميع المناضلين اليساريّين من مجموعة آفاق برسبكتيف والعامل التونسي واليسار القومي.

هذا على مستوى الصحف الحزبيّة، أمّا على مستوى صحف الخواص فقد تغيّرت التوجّهات منذ الثمانينات وأصبحت الصحف تعمد إلى الإثارة وطرح المواضيع العامّة والاجتماعيّة بعد أن كانت الصحف مكرّسة لخدمة الأهداف السياسيّة في فترة الستينات والسبعينات. فقد ظهرت جريدة" لوفار" في 1980 وأصدر عمر صحابو مجلّة" المغرب العربي "الأسبوعيّة المستقلّة منذ 11 أفريل 1981. كما أصدر الحبيب البرجي جريدة القنفود الهزليّة وصدرت جريدة "حقائق " في 1982.

والملاحظ أنّ أغلب باعثي هذه الجرائد من رجال الأعمال. ولذلك كان التوجّه التجاري البحت يطغى على الأغراض السياسيّة والفكريّة وظهرت نوعيّة جديدة من الصحف الصفراء ومنها جريدة" البيان" التي أصدرها الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة في 7 نوفمبر 1977. وقد كان الغرض من هذه الجريدة مواجهة جريدة الشعب لسان الاتحاد العام التونسي للشغل. وفي نفس التوجّه صدرت جريدة "الإعلان" في 7 ديسمبر 1978. وكانت غايتها في البداية نشر الإعلانات التجاريّة ولكنّها تحوّلت في ما بعد إلى جريدة إثارة. كما صدرت جريدة "الأنوار" في 16 أوت 1981.

لكنّ هذا التنوّع في المشهد الذي ذكرنا أهمّ خطوطه العريضة لم يعبّر عن تطوّر حقيقي لمستوى الصحافة. كما لم يعبّر عن رؤية تحرّرية لنظام بورقيبة (شريفة الصيفي، المكبوت والمكتوب في الصحافة المكتوبة في تونس، ص 26 وما بعدها/ الصحافة التونسية: مسافات بين الماضي والحاضر،

النظام يخنق نفس الاعلام التحرّري

رغم وجود ما سمّي بربيع الإعلام في السبعينات خاصة فإنّ فشل التجربة الديمقراطيّة والتعدّدية الحقيقيّة أواسط الثمانينات وتآكل النظام السياسي البورقيبي يؤكّد أنّ المبادرات في اتجاه تحرير الإعلام من هيمنة السلطة ورقابتها والإقرار بالنفس التعدّدي لم يكن نابعا من تمثّلات حقيقيّة للرئيس بورقيبة بل كان عاملا ظرفيّا وعابرا ولا يخرج عن باب التكتيك السياسي وربّما أملته رغبات في إيجاد متنفّس للأوضاع القائمة والعثور على مخارج لأزمات البلاد السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتغطية على الانهيار الذي بلغه النظام السياسي.

لقد ظلت السلطة بالمرصاد لأيّ تطوّر لهذا النفس التحرّري النسبي إذ كانت تملك كلّ الصلاحيّات في التعامل مع الصحف من خلال مجلّة الصحافة بموجب القانون 32 المؤرّخ في 28 أفريل 1975. وقد تمّ ضبط الطرق القانونيّة التطبيقيّة لهذا القانون بمقتضى الأمر المؤرّخ في 8 جوان 1977 . لقد كانت هذه المجلّة تحتوي على أكثر من 48 بندا تتضمّن لفظ المنع أو ما يشير إليه. كما كانت وزارة الإعلام وتحديدا وزير الإعلام يتابعان الحياة الإعلاميّة عن كثب ويراقبان كلّ ما تبثّه الإذاعة والتلفزة خاصة من خلال النشرات الإخباريّة والتعاليق الإذاعيّة وكذلك ما يبثّ من ملخّص يومي لتعاليق الصحف التي كان يتلقّاها المدير العام للإذاعة والتلفزة.

أمّا وزير الإعلام فكان يدرك تمام الإدراك المنهج الذي تسير عليه الدولة شأنه في ذلك شأن جميع العاملين في قطاع الإعلام مع العلم بأنّ مؤسسة الإذاعة والتلفزة كانت خاضعة في توجّهاتها العامة إلى وزارة الإعلام التي تشرف أيضا على جميع النشريّات فتراقب كلّ الصحف والمجلّات والدوريّات. وتوجّهها بحسب سياسة الدولة وأهدافها.

ولذلك كان هذا النفس التحرّري ضعيفا ومتذبذبا إذ ظلّت السلطة تمارس كلّ أنواع التعطيلات والإيقافات بشتّى الطرق والتي شملت كلّ الصحف والجرائد الحزبيّة مثل Démocratie والطريق الجديد والوحدة والمستقبل. كما طالت الجرائد المستقلّة مثل الرأي والإعلان والأياّم ولوفار وكذلك جريدة الشعب التي شملها التوقيف والتعطيل إضافة إلى المجلاّت مثل مجلّة المغرب العربي ومجلّة حقائق ومجلّة جون أفريك. وكانت أبرز التهم الموجّهة إلى هذه الجرائد والدوريّات هي الثلب ونشر المعلومات الخاطئة التي تمسّ بالعلاقات الخارجيّة.

ولم يكن حال الصحفيّين أفضل من هذه الجرائد والمجلّات المخنوقة بفضل حجب الإشهار والمنع من التوزيع والإيقاف. فمنهم من ارتمى في حوض السلطة وفضّل التعامل معها. ومنهم من خيّر الانسحاب الصامت. ومنهم من تحوّل إلى قسم العدالة. ومنهم من فرّ خارج البلاد. ومنهم من هاجر والتحق بمؤسّسات إعلاميّة دوليّة وعربيّة. ومنهم من فضّل البقاء ماسكا بقلم من جمر ورغيف مرّ.

وبذلك تكون السلطة قد سعت بشكل منهجي إلى اقتلاع كلّ نبات يساهم في تحصين التربة من الانجراف والجفاف الإعلامي. وفي المقابل انفتحت الأبواب على صحافة العرّافين والمشعوذين والخواء، ممّا جعلها متسلّلة إلى هموم المواطن الذي بدوره فقد كلّ الثقة بصحافة بلاده. وتحوّل عنها إلى تتبّع مستجدّات أوضاعه السياسيّة والحياتيّة من خلال الإذاعات الأجنبيّة مثل الإذاعة البريطانيّة التي تبثّ من لندن ثمّ بعد ذلك من خلال المنابر العالميّة الأخرى، حتى بات الإعلام التونسي بعيدا عن الواقع غير مكترث بجملة التحوّلات الإقليميّة والدوليّة، موصدا الأبواب أمام هبوب رياح التغيير ليظلّ يمضغ خطابا عاجيّا صار هذيانا خارج العصر (الطاهر العبيدي، الوسط التونسيّة، 16 - 07 - 2007).

خلاصة القول إنّ الإعلام عكس في زمن بورقيبة طوال فترة حكمه طبيعة النظام البورقيبي الاستبدادي. هو نظام رفض التعدّد وكرّس الحكم الفردي. واستغلّ الإعلام لنشر أفكاره وثقافته وطوّعه بالكامل لخدمة أهدافه المرحليّة واستعمله لإحباط خصومه ومناوئيه ومحاربتهم. لقد كان نظاما مجّد الشخص وعظّم إنجازاته وسعى إلى توظيف كلّ الأدوات المتاحة لجهاز الدولة التشريعيّة منها والإداريّة لإلغاء قواعد التعايش السلمي ومبادئه والتفاعل بين مختلف التوجّهات والرؤى والمقاربات. كان نظاما رافضا للديمقراطيّة وكبّل الحريّات لأنّه اعتبرها منفذا لتصعيد المخالفين. لقد حوّل بورقيبة التونسيّين طوال فترة حكمه من مواطنين إلى رعايا. (خالد الحدّاد، بورقيبة والإعلام، ص220 )

فاصل شخصي : أنا وإعلام بورقيبة

اسمحوا لي في نهاية هذه الورقة أن احكي لكم قصة شخصية ظلت عالقة بذاكرتي رغم مرور عشرات السنوات على وقوعها . كنت بين سنتي 1985 و1987 أي أواخر حكم بورقيبة أستاذا للتعليم الثانوي وصحفيا متعاونا مع جريدة " الأخبار" ( كانت وقتها ذات إشعاع نسبي وقريبة من المعارضة المحتشمة هي وشقيقتها بالفرنسية المملوكة هي أيضا لبن يوسف والتي تعرضت للحجز مرة أو اكثر Tunis Hebdo كنت شابا نقابيا مع ميولات يسارية وفوضوية ( بالمعنى النبيل للكلمة ) متحمسا حاملا لأفكار الثورة بأحلامها وأوهامها .

كنت اكتب ثلاث بطاقات في الجريدة منها بطاقة بالصفحة الثالثة بعنوان " إبرة " لا تتجاوز 70 كلمة.

كتبت بطاقتي يومها وعرضتها على القائم على شؤون التحرير الصحافي كمال الزعيم إذ لم يكن مدير الجريدة أمحمد بن يوسف يعترف بمنصب رئيس تحرير رسمي . وكان يومها في فرنسا . كتبت بطاقة أولى وعرضتها على كمال فرفض نشرها " لخطورتها " على الجريدة في غياب بن يوسف فكتبت بطاقة ثانية مغرقة في الغموض والرمزية وكانت تتحدث عن ركوب الخيل " قلت في بطاقتي في ما معناه " إن من يركبون الخيل يعتقدون أحيانا أن بيدهم اللجام وانهم من يقودون الجواد وليس العكس في حين أن الجواد هو الذي يقودهم الى الهاوية ...الى نهايتهم المحتومة " . كنت أشير في خبث الى تمثال " الزعيم " في شارع الحبيب بورقيبة وهو على صهوة حصانه ( قبل أن ينقله بن علي الى حلق الوادي..يا لغباء من يحكموننا انهم مولعون بمصادرة التاريخ خدمة لنزواتهم !). لم يتفطن كمال الى الاستعارة فنشر البطاقة .

حين غادرت معهد سليمان حيث كنت اشتغل صباح الجمعة يوم صدور الجريدة مررت بالكشك لشرائها فاعلمني صاحب المحل أن البوليس مر من هناك وصادر كل أعدادها ( يبدو أن رقيب وزارة الداخلية كان اكثر علما بأسرار البلاغة من كمال الذي لم اره بعد ذلك قبل أن اسعد بمشاهدته في احد برامج الأحد الرياضي قبل نهاية بطولة الموسم المنقضي وقد أخذت السنون منه كما أخذت مني ).

خمنت اني صاحب "العملة " فخاطبت بن يوسف بالهاتف وكان قد عاد للتو من الخارج فكال لي أقذع أنواع السباب والشتائم التي أفرزها جنونه جراء حجز أعداد الجريدة . كنت في نظره شيوعيا ومتطرفا ومتهورا وقد تسببت له في خسارة تتجاوز الألفي دينار بحساب مقدار العملة وقتها وأضاف أن وزارة الداخلية خيرته بين أمرين إما طردي من الجريدة نهائيا أو غلقها فقرر طردي . واردف انه تدخل لفائدتي لدى وزير التربية حينها محمد الصياح حتى لا يقع طردي من التعليم الثانوي أيضا رأفة بي وبوضعي العائلي وقتها وكان على علم به. رغم انه استدعاني مرة الى مكتبه ليمتدح أسلوبي في الكتابة قائلا لي " يا ولدي انت كيف الفلفل الأكحل يفوح الطعام ولكن الإكثار منه يضر بالمعدة " فأجبته ضاحكا " اتهنى يا سي امحمد راني نعرف الافّاح وحكارو " .

كان بلا شك صادقا في النصف الأول من الحديث المتعلق بوزارة الداخلية وكاذبا في النصف الثاني فلا اعتقد انه خاطب الصياح في شأني رغم انهما كان الاثنان من جهة الساحل فالأول أصيل " بوحجر" من ولاية المنستير والثاني من حمام سوسة كما اني لا اعتقد أن الصياح هدد بطردي من التعليم كما يزعم فلا أتصور إطلاقا أن مصيري كان يهم الصياح ولا هو سمع باسمي كما لا يهمه مصيري كثيرا هو أيضا أهمية حساب الربح والخسارة لديه …

وسقط الرجل المريض بعد اشهر كما سقط معه حصانه. وحمل الاثنان الى الغربة والنسيان قبل أن تعيدهما الثورة الى قلب العاصمة والسياسة .. يا لخيبة المسعى لماذا يظل الراكب والمركوب أشبه عندنا بالحاكم والمحكوم قبل أن يسقط الراكب ليعوضه اخر لا يختلف عنه كثيرا في وهم العظمة ومرض الزعامة .في حين أن المركوب أو من يتحدث باسمه يحملهم الواحد تلو الآخر وان تأخر الى نهايتهم المحتومة ؟

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات