المهرجانات الصيفية : مناسبة للرقص لا للثقافة ، ماذا وراء ذلك ؟

مسألة تحول المهرجانات الصيفية وخاصة مهرجان قرطاج الى ركح للرقص بعيدا عن أي فرجة حقيقية " راقية " مسألة قديمة تعود الى بداية الألفية الثالثة وربما قبلها . قد يعود هذا التوجه الجديد الى الطابع الصاخب الذي اتخذه هذا المهرجان منذ انفتح على المزود والبندير ( كان المزود ممنوعا من السلطة و محتقرا من النخبة) وانتشرت على نطاق واسع حفلات الربوخ والحضرة والعيساوية والسطنبالي ( كان مخصصا للنساء حيث ترقص البنات حد الإغماء ) التي تحولت الى موضة منذ افتتح فاضل الجزيري هذا التوجه ومعه العقربي و لعله كان يعتبر في شوقنيته زينة التونسية اهم بكثير من أم كلثوم وعبد الوهاب.

قدم هذا الطابع على انه إحياء للتراث ومصالحة مع مخزوننا الوطني المفتوح على مصراعيه على البندير والطبلة والمزود والزكرة. كانت هذه الحفلات قبلة الجميع.

انتهى منذ مدة طويلة حفلا ت التراث الشعبي العالمي التي كانت تقدم ألوانا من الغناء والرقص من كافة بلدان العالم . اختفت المسرحيات ولم يبق منها غير لامين النهدي ومن لف لفه من محترفي الابتذال والركاكة التي تجعل من لغة الكاف والقصرين ماعون صنعة غبي أو من الضحك الأبله عملا فنيا . اختفت العاب الجمباز الصينية وحفلات السحر والألعاب القريبة من السيرك .

انقطعت شخصيا ومن زمان عن الذهاب الى مسرح قرطاج وكنت أول شبابي لا اكد اترك حفلا لا أشاهده رغم ما كان يكلفني ذلك من متاعب السفر من العاصمة الى قرطاج في قطار حلق الوادي المرسى وفي اخر الحافلات الليلية الى مقر سكناي بإحدى ضواحي العاصمة الجنوبية .

ظللت اذكر عرضين لم أنسهما الى الآن على تباينهما الشديد.

الأول هو من أروع ما شاهدت وهو عرض قدمه المسرح البلجيكي وهو تراجيديا مقتبسة من مسرحية ألبار كامو " كليقولا " كان عرضا من أروع ما تشاهد تمثيلا وإخراجا استغل المخرج المسرح الروماني القريب جدا من الواقع التاريخي لاحد ابرز قياصرة الروم الدمويين . استغل المخرج المسرح الروماني أفقيا وعموديا كان الممثلون على أرضية الخشبة وفي سطوح القصر . كنا وقتها عدة مئات من المتفرجين. لم يكن هذا النوع من العروض يستهوى الجمهور. هذا الأمر قديم جدا لمن لا يعلم .

أما الحفل الثاني الذي بقي في ذاكرتي فحفل أحيته المغنية المغربية البربرية نجاة عتابو . كان المسرح غاصا بالجماهير الى درجة أن الكثيرين ظلوا خارج المسرح رغم اقتنائهم لتذاكر. كان حفلا بلا غناء ولا متعة بل مكانا للصخب والهرج والتدافع رقصا جنونيا . لم أتحمل المشهد فغادرت المسرح.. من يومها.. لم اعد الى قرطاج الى يومنا هذا .

لقد كان مهرجان قرطاج ربما منذ ميلاده مخصصا أكثره للغناء وهو شيء ملائم عموما لأجواء الصيف والراحة .

ولكن الفرق التي كان يقع استدعاؤها كانت تحمل رسالة سواء من الفرق الأوربية أو الإفريقية السوداء أو المصرية أو التونسية ..ثم شيئا فشيئا انزلقنا الى منطق الربوخ الذي ساد الذوق العام .

فقدان الطابع الثقافي لمهرجان قرطاج لمن يعرفه ليس مسالة جديدة لمن تابع تاريخ هذا المهرجان .

أخيرا هناك جانب قلما أشار اليه من تناولوا قضية المهرجان بالتحليل وهو أن اغلب المتفرجين من النساء الشابات) . ليس لي شيء ضد المرأة ولكني اعتقد أن المهرجان هو لأكثر البنات متنفس عن كثير من الغبن و القهر وهن المتابعات لأخر تقليعات اليوتيوب . )

فالمرأة لدينا في اكثر الأحيان لا علاقة لها بالفضاء العام إلا قليلا فهي بعيدة عن ملاعب الكرة وعن المقاهي والبارات وعن قاعات السينما ) اللهم اذا كان ظلام هذه القاعات يستغل لأغراض أخرى).

)اذكر أن صديقا فرنسيا استقبلته منذ مدة في منزلي قال لي " أمركم غريب لماذا الفضاء العام عندكم كله للرجال فقط ).

المرأة في بلادنا لا تكاد تعبر عن فرحتها وجنونها خارج هذه المناسبات القليلة التي تتوفر لها لترقص مثل المهرجانات . فهي أما مركونة في المنزل أو في العمل وفي كل من هذين الفضاءين المغلقين لا يوجد غير التعب والنكد ومشاكل الأطفال ومصائب بعض الأزواج الذين يقسمون أوقاتهم بين العمل وبين المقاهي والبارات وملاعب الكرة إلا قليلا منهم .

إن تحليل طبيعة مهرجاننا يحتاج الى فهم روادها وحاجتهم بعيدا عن أي أحكام فوقية أو ذات طابع أخلاقي .

ليس لمجتمع يحكمه الفصل بين الجنسين ونكران ثقافة الرقص وهو عيب عند الكثير منا ( والرقص هوية الأفارقة السود التي حملوها الى العالم وخاصة الى الولايات المتحدة ) أن يفهم كل الهيحان التي تعرفها مهرجاناتنا وقد ساد في ذهن المسؤولين عنها منطق الربح قبل الثقافة وساد روادها منطق الرقص الذي يخفي من السلوك الاجتماعي اكثر بكثير مما يظهر .

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات