حضرت مظاهرة اليوم التي دعا اليها الاتحاد العام التونسي للشغل . أتردد في تحديد صفتي هناك نقابي أو مجرد إعلامي " محايد ". كنت في الساحة مع العاشرة صباحا . تجمع عدد من النقابيين الذين بدؤوا في ترديد الشعارات المعروفة مناصرة للمنظمة " الاتحاد مستقل والشغيلة هي الكل " كان عددهم يتراوح بين 200 و300 متظاهر .
تابعت المشهد عن بعد .كان من الصعب علي ان أقاوم حرارة الشمس القاتلة تساءلت : أي معنى لمظاهرة تقام يوم الخميس أي في يوم عمل ومع الحادية عشرة صباحا ؟ .هل الأمر مقصود ؟ هل تجنبت القيادة الدعوة الى مظاهرة في وقت افضل .؟
لا املك الإجابة على هذا السؤال .
كان المتجمعون عدا مجموعة صغيرة قبالة، باب الاتحاد يبحثون عن شيء من الظل يقيهم لهيب الشمس الحارقة. .بقيت هناك مختبئا في مكان ظليل انتظر كلمة الأمين العام .أخيرا ظهر الطبوبي من الشرفة تكلم .لم استطع أن أتبين شيئا مما قاله كانت الساحة تردد الصدى مع صوت رديئ.
لا اعتقد أن أحدا استطاع أن يستمع اليه بوضوح ( سأنتظر سماع الكلمة المسجلة ) ولكني لا أتوقع انه قال شيئا غير ترديد نفس الكلمات المتعلقة بالتنديد بالهجوم على مقر الاتحاد و بضرورة الحوار ومخاطر التصحر السياسي ونفس المعزوفة .
تحركت الجموع من ساجة محمد في اتجاه شارع بورقيبة حوالي الساعة 11 و 30 د بشيء من التأخير. كان عددهن بين 1000 و 1500 في تقديري الشخصي .
رددت الجموع الشعارات المعروفة المساندة للاتحاد بالإضافة الى بعض الشعارات الطارئة من نوع " هايلة البلاد…قمع واستبداد " لكن هناك شعار اضحكني كثيرا لأنه يعود الى الزمن الغابر " يا حكومة الفشل …الرحيل هو الحل " الحقيقة إنني لا ادري عن أي حكومة يتحدثون لعلها حكومة الواق الواق .
رفعت لمدة دقيقة لا اكثر بعض الشعارات المناوئة للرئيس من تلك التي رفعت في اجتماع الهيئة الإدارية كانت محتشمة وغير مسموعة بوضوح .
لا ادري اذا كانت القيادة نبهت من شعارات من هذا النوع أو أن المتظاهرين خشوا أن تعقد مثل هذه الشعارات علاقة القيادة النقابية بالسلطة .
في شارع بورقيبة الذي اغلق بإحكام من بداية شارع جون جوراس الى شارع الحبيب ثامر لم تترك غير معابر قليلة يمكن النفاذ منها سواء الى الساحة أو شارع بورقيبة .
دهشت حين سايرت الجموع الى أمام المسرح لحجم الحضور الأمني لم أر في حياتي رغم اني شاركت في كثير من المظاهرات حجم الحضور الأمني .عشرات السيارات الأمنية الكبيرة قد يتجاوز عددها السبعين سيارة مئات من رجال الأمن من كل الأنواع من الأعوان بالزي المدني الذين تعرفهم من خلال تشجنهم وحركاتهم المهددة ووسائل الاتصال الأمنية التي يحملونها والأعوان بالزي الرسمي من فرقة مقاومة المظاهرات وأصحاب البدلات الرسمية الذين بدوا اكثر تشنجا من غيرهم .
كان اكثر هؤلاء متنبهين لاي طارئ رغم أن من شارك في هذا النوع من المظاهرات يعرف أن النقابيين أناس مسالمون جدا أما لانهم من هؤلاء الذين تستخدمهم المنظمة في مظاهراتها وهم مجرد أعوان ينفذون أوامر القيادة بانضباط شديد أو نقابيون بالانتماء الحقيقي أو العرضي وهؤلاء يحضرون مناصرة لمنظمة لا يعرفون عنها الكثير ولا يشاركون في رفع الشعارات .يحضرون المظاهرة ثم ينتهي الأمر عندهم عند هذا الحد .
تساءلت في شيء من البلاهة ، اذا كان منخرطو الاتحاد يعدون بمئات الألاف فكيف نفسر هذا العدد القليل ؟ انهالت علي الأسئلة وانا اشعر بشيء من الدوار من أثار الشمس الحارقة .
انتهيت الى النتيجة التالية :
لماذا عدد رجال الأمن يكاد يتجاوز عددهم عدد المتظاهرين ؟.كيف يمكن لمظاهرة من هذا النوع أن تؤثر في مجريات الأحداث ؟ . لماذا تستعد السلطة لمظاهرة من هذا النوع بهذا الحشد المهول من رجال الأمن ؟
هناك حالة غريبة تحدث أمامي وهي أن السلطة في تونس سلطة خائفة مرعوبة وان الذي يرعبها اقل من أن يزعجها في الواقع لو كانت تحس بشرعية اكثر مما لها ..
مظاهرة اليوم لا يتجاوز أمرها تسخين الجو والتنفيس على النفس.
ولكن لا بأس شعرت رغم كل هذا بشيء من النشوة رغم حراة الشمس لأني كنت مع هذا العدد المتوسط أن لم يكن قليلا في مواجهة سلطة مرعوبة.
إنني اعلم أن ما يخيف السلطة هي الجموع اليوم وكل يوم لأنها تفتح شاهية جموع أخرى من نوع مختلف وتتظاهر في أوقات مختلفة وبعيدة عن ساحة محمد علي.
لا اعتقد أن القيادة النقابية تمثل مشكلا في ذاتها للسلطة لان السلطة تعلم جيدا أنها متعبة بخلافاتها وتناقضاتها الداخلية وانه يمكن متى شاءت أن تجد معها كل أنواع الحلول اذا ما اقتنعت أن الحوار افضل بكثير من التصادم ولكن ما يخيفها هو قدرتها على التعبئة لا اكثر لأنها تتفه حديث الشعب الذي تستنجد به لتعزيز شرعيتها .
هل ستحاول السلطة عاجلا أو اجلا بعد مظاهرة اليوم أن تجد لدى القيادة النقابية التفاهم المطلوب مقابل تسويات البعض منها فتات من الزيادات في الأجور بعد انتهاء الزيادة الثلاثية 2022 -2025 حتى ولو كان ذلك على حساب الحريات والديمقراطية. ومتى كانت القيادة النقابية يهمها هذا الأمر ؟.لقد حسمت أمرها منذ 25 جويلية ولا اعتقد إنها ستتغير .
حضرت مظاهرة اليوم ولم اندم على ذلك.