أوقفت الحكومة بداية من شهر فيفري الجاري الاقتطاع الآلي الذي تجريه الإدارة لفائدة المنظمة الشغيلة. لم يكن ذلك أمرا مستغربا .فقد أشار الى ذلك الرئيس قيس سعيد في شهر أوت 2025 حين قال :
"محمد علي الحامي"، الذي تجاهلوه ، كان يعقد اجتماعاته بنهج الجزيرة ،ونهج الكومسيون ، ولم تكن يومئذ هناك اقتطاعات ، بل كان عملا نقابيا وعملا وطنيا، ولم تكن الاجتماعات تعقد في النزل، بل بنهج الجزيرة حرصا على حقوق العمال ، وحقوق من طالت بطالتهم.
لا شك أن حديث الرئيس كان تحذيرا وتمهيدا لإيقاف العمل بالاقتطاع . حاول الاتحاد التصدي منذ البداية لما في خطاب قيس سعيد من تهديد فنظم مظاهرة للاحتجاج مباشرة عقب هذا التصريح . ظن الجميع وقتها أن الأمر لا يتجاوز مجرد التهديد . لكنه لم يكن كذلك إذ مرت السلطة من التهديد الى التنفيذ .
التوافق بين سلطة مستبدة ونقابة موالية
لقد كان الاقتطاع بالأمس واليوم العصا الغليظة التي ترفعها السلطة في وجه المنظمة ولقد عمدت حكومة المزالي في أعقاب أزمة 1985 الى إيقاف الأجراء معاقبة للاتحاد على موقفه في انتفاضة الخبز التي أدت الى سجن القيادات النقابية وتنصيب هيئة ممن سموا وقتها ب "الشرفاء" .
غير أن الأمر اختلف تماما مع بن علي الذي فهم بحنكة طبيعة العلاقة التي يمكن ان تربط السلطة بالمنظمة النقابية فأعاد الأمور الى نصابها . كانت علاقة بن علي بالاتحاد قائمة على تبادل المصالح . السلطة توفر للمنظمة ما تحتاجه من مال عبر الاقتطاع الآلي وعبر التفرغات النقابية التي كانت تعد بالمئات وتقدر بمئات الألاف من الدنانير تدفع من مال دافعي الضرائب تماما كما تنتفع بذلك المنظمات الوطنية الأخرى الموالية . وكانت الحكومة تحافظ على دورية الزيادات في الأجور كل ثلاث سنوات دون خلافات كبيرة بل كان الاختلاف ينحصر حول نسب الزيادة التي يقع الاتفاق حولها بالتشاور مع الاتحاد كما ينص على ذلك قانون الشغل دون توترات تذكر. كما كانت السلطة تصنع الفراغ حول المنظمة العمالية الوحيدة بان ترفض الاعتراف الرسمي باي هيكل نقابي اخر عدا الاتحاد كما أنها كانت تغدق على المسؤولين النقابيين كثيرا من المنافع جاء ذكر البعض منها في ما ورد في تقرير عبدالفتاح عمر حول الرشوة و الفساد قبل الثورة .
أما الاتحاد فكان حليفا للسلطة .فبشكل عام ظلت المنظمة عبر تاريخها الطويل تعبر وبشكل دائم (عدا بعض فترات الصراع المتقطعة ) عن ولائها للنظام القائم واكبر دليل على ذلك مشاركتها في الانتخابات التشريعية في قائمات الحزب الاشتراكي الدستوري أو قائمات التجمع الدستوري الديمقراطي منذ انتخاب المجلس القومي التأسيسي في افريل 1956 ومن خلال تزكية ترشح الرئيس للانتخابات الرئاسية المزورة وآخرها التزكية الفضيحة التي قدمها الاتحاد في 2009 هدية لزين العابدين بن علي وفي وقائع مخزية كما انه كان يشتغل كابحا في وجه التحركات النقابية فكان يلجمها عبر بيروقراطية مجحفة قليلا ما تترك للنقابات العامة وخاصة نقابات التعليم الأكبر حجما وثقلا حرية التصرف والمطالبة بحقوقها بل ان الاتحاد لم يكن يخجل ان يحتفل بذكرى السابع من نوفمبر عبر وضع لافتة عريضة تشيد بالحدث على واجهة مقره المركزي بالبطحاء .حدث ذلك سنة 2007 على ما اذكر .
لم يختلف الأمر بعد الثورة إذ كانت الدولة الضعيفة تشتري ود الاتحاد عبر استدامة هذه المنافع بل ان هذه السلطة الفاسدة كانت تشترى ود النقابات المستقلة المؤثرة . فلم تتورع عن إمضاء اتفاقية مخزية مع نقابة القضاة تقربا من الحكام بموجبها أعفيت منحة القضاء من الضريبة وهو ما ترتب عنه زيادة غير مسبوقة في أجور القضاة دون وجه حق كما ترتب عنه عدم اعتراف الصندوق الوطني للتقاعد بهذه الاتفاقية باعتبار أن منحة التقاعد لا تحتسب ضمنها غير المنح الخاضعة للأداء كما يقرر ذلك القانون الجاري به العمل. وكانت النتيجة حرمان القضاة المتقاعدين من الزيادة أما القضية التي تقدمت بها منظمة "أنا يقظ" طعنا في قانونية هذه الزيادة في أجور القضاة الى المحكمة الإدارية فقد وضعت في الرفوف الى يومها هذا .
" Main qui donne ,main qui dirige " اليد التي تعطي هي اليد التي تتحكم
حين تتحدث السلطة عن الاقتطاع من المصدر الذي تتكفل به الدولة لفائدة المنظمة فهي تعرف أنها تمسك بالعصب الحي الذي لا يمكن ان يتحرك الاتحاد بدونه . انه الرئة التي يتنفس بها والثقل المادي الذي لا يمكن أن يعيش بدونه.. وبغيره يذهب الى الإفلاس. فلا احد يصدق أن التونسي باستطاعته أن يخرج بسهولة وانتظام دينارين شهريا أو اقل أو اكثر من جيبه وبشكل مسترسل ومباشر لفائدة النقابة أيا كانت اذا ترك له امر المساهمة الشهرية يدفعها أو لا يدفعها خاصة حين يفرغ العمل النقابي من روح النضال والتضحية .
إن الحديث أن الاقتطاع باعتباره مكسبا أمر يحتوى على مغالطة شديدة وذلك لسببين :
أولا : لان هذا الاقتطاع كان جزءا من توافق مغشوش بين سلطة مستبدة ومنظمة موالية .
ثانيا: إن الإجراء لا يدخل في خانة الحقوق النقابية المعترفة بها دوليا إذ لم اعثر عليه في أي من اللوائح أو الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحق النقابي واشك انه بمقدور احد أن يثبت عكس ذلك. صحيح أن هذه الاتفاقيات المتعلقة بالحق النقابي توصي الحكومات بتقديم تسهيلات للتشكيلات النقابية دعما للسلم الأهلي ولكن هذه التوصيات لا تتضمن أبدا تسهيلات مالية بشكل مباشر او غير مباشر مثل الاقتطاع الآلي أو التفرغ النقابي لان ذلك يمس من استقلالية العمل النقابي.
لقد ان الأوان أن يفهم الاتحاد أن الاستقلالية المالية هي شرط لا محيد عنه لتعزيز استقلاليته تجاه السلطة . فمن كان يعيش من منافع السلطة لا يمكنه أن يواجهها .كما انه آن الأوان أن يعاد للالتزام النقابي الإشعاع الذي فقد منذ أرست القيادة سلوكات فاسدة قوامها الانتهازية والزبونية وعقلية الدسائس والمؤامرات التي أوصلت الاتحاد الى ما أوصلته اليه من خراب داخل المكتب التنفيذي حتى صار هذا المكتب عاجزا عن الجلوس حول مائدة واحدة بل عاجزا عن إصدار الدعوة الرسمية الى مؤتمر مارس فصدرت الدعوة عن الاتحاد العام هكذا دون تحديد في مخالفة صريحة للقانون الأساسي والنظام الداخلي اللذين يشترطان أن تصدر الدعوة عن المكتب التنفيذي لا غيره .
إن الأوضاع الكارثية التي يعيشها الاتحاد وتعوده العيش على منافع السلطة كل ذلك في تقديري يمثل التفسير الأوضح لقصور المنظمة عن أية مواجهة بوجه مكشوف مع السلطة دون رياء ولا مداهنة وذلك ما يفسر أيضا المهزلة التي شهدناها إبان الإعلان عن الإضراب العام في المدة الأخيرة ثم التراجع عنه بعد مسرحية استقالة الطبوبي وعدم إمضائه على برقية الإضراب ورجوعه الى المسؤولية بعد انقضاء المهلة بمرور اكثر من عشرة أيام قبل صدور البرقية .
هناك مثل فرنسي يقول" اليد التي تعطي هي اليد التي تتحكم" Main qui donne main qui dirige ..أما غير ذلك فمجرد شعارات يتلهى بها من لا يعرفون واقع الاتحاد من الداخل والخراب الذي أصابه جراء سوء التقدير والحسابات الخاطئة وآخرها المؤتمر الانقلابي الذي التأم في زمن الكورونة اثر الحصول على ترخيص من وزارة الصحة العاشرة ليلا بعد أن وقع القاء قرار وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بسوسة بمنع انعقاده احتراما لقواعد الحجر الصحي عرض الحائط . كان ذلك يا لسخرية الأقدار حين كانت النهضة تحكم وتخشى من الاتحاد على وجودها في تصرف انتهازي سخيف .. وان عقد مؤتمرين دفعة واحدة في ظرف ثلاثة اشهر واحد استثنائي والأخر عادي في نزلين الأول في سوسة والثاني بصفاقس من فئة اربع أو خمس نجوم لمئات النقابيين ( يصل عدد المؤتمرين الى ست مائة او اكثر ) لمدة أربعة أيام على الأقل لا يفسره غير سوء التصرف وتبديد أموال النقابيين من اجل إرضاء الشره الى السلطة وكأن العمل النقابي صار مناصب للمنافع وليس للإيثار و للتضحية .
لقد كان في كلام قيس سعيد سالف الذكر اتهام صريح أو مبطن للاتحاد بالفساد المالي لحاجة في نفس يعقوب.
ولكن مع معرفتنا بتربص السلطة بالعمل النقابي كتربصها بكل الأجسام الوسيطة ، من بمقدوره أن يجيب على هذا الاتهام .؟..الوحيد الذي بإمكانه أن يجيب هو من كانت يده نظيفة و لا يخفى من أمر تصرفه المالي شيئا.