تقدم مجموعة من نواب البرلمان بمبادرة تشريعية لتعديل المرسوم عدد 31 لسنة 2011 مؤرخ في 26 أفريل 2011 ويتعلق بتنقيح القانون عدد 19 لسنة 2008 وتتضمن المبادرة فصلا وحيدا :
" تلغى أحكام الفصل 15 من القانون عدد 19 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري المتعلق بالتعليم العالي مثلما تم تنقيحه بالمرسوم 31 لسنة 2011 ويعوض بما يلي :
يدير كل جامعة رئيس يتم اقتراحه من قبل الوزير المكلف بالتعليم العالي بعد فتح باب الترشح من بين أساتذة التعليم العالي المشهود لهم بالكفاءة
يعين رئيس الجامعة بمقتضى امر لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة .
ولا يجوز تولي المنصب اكثر من ولايتين متصلتين او منفصلتين "
بعض حال الجامعة قبل الثورة
وقع تعميم مبدأ الانتخاب في كافة هياكل تسيير المؤسسات الجامعية بموجب ما قرره المرسوم عدد 31 لسنة 2011 وصدر هذا المرسوم بحماس الثورة وآمالها .وقبل هذا المرسوم جاء القانون عدد 19 المؤرخ في 25 فيفري 2008 قبل تعديله وهو الذي كرس سياسة التعيين لمديري المعاهد العليا وبعض الكليات كما سنرى تفاصيل ذلك ( اذكر اني منعت من الدخول الى مجلس النواب 2008 لحضور مناقشة مشروع القانون في الجلسة العامة من أجل تغطيتها لجريدة "الموقف" بدعوى اني لا أملك بطاقة صحفي رغم ان الجلسات نظريا مفتوحة لجميع المواطنين.
وينص قانون 2008 في فصله 25 على أنه " يدير الكلّيات عمداء و يدير المدارس والمعاهد العليا مديرون
ينتخب العمداء من قبل المدرّسين القارّين. ويعيّن المديرون حسب شروط تضبط بأمر".
كان مديرو المؤسسات الجامعية بموجب هذا القانون يعينون مباشرة بأمر أما الكليات التي ينتخب فيها العمداء فهي قليلة جدا إذ لا ينتخب العمداء إلا في الكليات التي تضم عددا معينا من الأساتذة المحاضرين والأساتذة أي أساتذة صنف( أ ) ولما كانت أغلب الكليات او المعاهد العليا لا تضم في أغلبها غير الأساتذة المساعدين الذين يقع على عاتقهم تأمين الدروس التطبيقية وإلقاء الدروس العامة وتأطير الطلبة ( حوكي وحرايري ) فكانوا يخضعون الى سياسة التعيين الفوقي .
كان المديرون والعمداء المعينون هم ممن يحوزون رضا السلطة وكانت بطاقة الانخراط في التجمع أو على الأقل المشاركة في نشاطاته أهم شهادة مطلوبة للوصول الى المنصب. كما كان هؤلاء االعمداء عين وزارة التعليم العالي الساهرة على تسيير الكليات . ولم يكن لهؤلاء اية سلطة حقيقة تسمح لهم باتخاذ القرارات التي تهم مؤسساهم. بل إن تقييم نشاط الكلية او المعهد يناقش في بعض الأحيان وفي بعض الكليات في النزل بحضور " الأخويّان " كما كانوا يسمون انفسهم من الإطارات الجهوية . بل لم يكن لهم حتى الشجاعة لمنع البوليس من الاعتداء على حرمة الجامعة والطلبة النقابيين حتى صار أعوان وزارة الداخلية بزيهم الرسمي يشاركون الأساتذة ساحات الكلية بل حتى المشرب الخاص بالأساتذة رغم كره الأساتذة لذلك . بل اكثر كان الكاتب العام للنقابة الأساسية في كلية من كليات الداخل ( شاعر من القيروان معروف أتحفظ عن ذكر اسمه ) يتواطأ مع العميد المعين في تهديد زملائه من أجل ثنيهم عن المشاركة في أي تحرك احتجاجي للأساتذة بدعوى أنهم أساتذة متربصون وكانوا كثرا .
حين جاءت الثورة كان لا بد لهذا الوضع المزري أن ينتهي فألغيت بعض أحكام قانون 2008 من خلال المرسوم عدد 31 لسنة 2011 مؤرخ في 26 أفريل 2011 ويتعلق بتنقيح القانون عدد 19 لسنة 2008 . وقد نص الفصل 15 منه (جديد) : على أنه " يدير كل جامعة رئيس جامعة ينتخب من بين أساتذة التعليم العالي أو الرتب المعادلة. وعند تعذر انتخابه يتم تعيينه وتضبط بأمر شروط الانتخابات وحالات التعذر وشروط التعيين".
جاء هذا المرسوم بعد 3 اشهر من ثورة الحرية والكرامة وكان ابنها البار وثمرتها المباركة .
الانتخاب بدل التعيين
أصبح رؤساء الجامعات و العمداء والمديرون جميعهم منتخبين وسنقتصر في هذا المقال على رئيس الجامعة وتركيب مجلس الجامعة .
ينص الأمر عدد 683 لسنة 2011 مؤرخ في 9 جوان 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 2716 لسنة 2008 المؤرخ في 4 أوت 2008 المتعلق بتنظيم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث وقواعد سيرها على شروط الانتخابات وحالات التعذر وشروط التعيين في المؤسسات الجامعية .
وينص الأمر على انتخاب رئيس الجامعة من بين ممثلي إطار التدريس والبحث المنتخبين الأعضاء في مجلس الجامعة الذين لهم رتبة أستاذ تعليم عال. وينتخب رئيس الجامعة من قبل المدرسين الأعضاء في مجلس الجامعة.
والحقيقة أن هذا المجلس لا يمثل الأساتذة الجامعيين بكل رتبهم وأصنافهم فحسب بل هو نتاج للعملية الانتخابية على المستوين الأفقي والعمودي كما أنه مجلس منفتح على مكونات كثيرة من طلبة وعملة وممثلين عن الهيئات الاقتصادية والاجتماعية ويمكن لرئيس المجلس ان يدعو له من يشاء إذا اقتضت الحاجة لذلك .
و يساعد رئيس الجامعة في أداء مهامه حسب الحاجة نائب واحد وعند الاقتضاء نائبان اثنان والنائب الأول مكلف بالبرامج والتكوين والإدماج المهني. أما النائب الثاني اذا وجد فمكلف بالبحث العلمي وبالتطوير التكنولوجي والشراكة مع المحيط. وعند غياب رئيس الجامعة أو حدوث شغور في رئاسة الجامعة يعوضه نائبه كما يتعرض الأمر الى حالات الإهمال أو التقصير من قبل رئيس الجامعة ففي صورة امتناع رئيس الجامعة أو إهماله القيام بعمل من الأعمال التي تقتضيها مهامه، يكلف نائب رئيس الجامعة أو أحد النائبين مؤقتا بمهام الرئيس بالنيابة بأمر و باقتراح من الوزير المكلف بالتعليم العالي ورغم أن القانون يسكت عن كفية تحديد نوع الإهمال الصادر عن رئيس الجامعة فانه يضع آلية لمراقبته واستبداله بنائبه غير انه يبقى في عملية الاستبدال ضمن حدود العملية الانتخابية إذ يعوض المنتخب بمنتخب مثله.
كما يضم مجلس الجامعة رؤساء المؤسسات التابعة للجامعة وخمسة نواب من الأساتذة المحاضرين والأساتذة ( صنف أ) و5 أساتذة مساعدين ( صنف ب ) ينتخبون.
ويضم أيضا ثلاثة ممثلين عن الهيئات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وممثل عن الإطار الفني والإداري وممثل عن العملة و. طالب في مرحلة الإجازة وطالب في مرحلة الماجستير وطالب في مرحلة الدكتوراه يتم انتخابهم من قبل مجموع ممثلي الطلبة بالمجالس العلمية لمؤسسات التعليم العالي.
ومن الواضح في خلال هذا التفصيل المقصود أن رئيس الجامعة هو عضو واحد من جملة مجموعة من الأعضاء قد يصل عددهم الى أكثر من ثلاثين عضوا في الجامعات الكبرى . ومهما كانت الصلاحيات الموكولة إليه فإن القرارات تصدر عن المجلس برمته أي ممن لهم حق اتخاذ القرار و يخضع لمبدأ التشاركية وصيغة القرار القائم على مبدأ التصويت الحر على كل موقف يكون محل خلاف. فكيف يعقل بعد هذا أن نحمل مسؤولية أية تقصير لرئيس الجامعة دون تحديد نوع هذا التقصير وكأنه صاحب القرار الوحيد في المجلس.
إن اقتصار المبادرة على الفصل 15 من مرسوم 2011 المتعلق بانتخاب رئيس الجامعة بذريعة "ضعف التنسيق بين الجامعات وسلطة الإشراف وغياب الانسجام في تطبيق السياسات الوطنية وتراجع عنصر المحاسبة الإدارية وغلبة الطابع الانتخابي على حساب البرامج العلمية والإدارية للمترشحين " كما جاء في شرح أسباب المبادرة يحتوى على مغالطتين.
الأولى تتعلق بمبدأ المحاسبة إذ إن القانون لا يتغافل على هذه النقطة فيشير الى إمكانية محاسبة رئيس الجامعة في حالة التقصير والإهمال كما ذكرنا .
أما الثانية فتتعلق بالحديث عن ضعف التنسيق بين الجامعات وسلطة الإشراف. إن تحديد السياسات العامة لا تعني مجلس الجامعة بل تعني مجلس الجامعات فهذا المجلس الذي تشرف عليه وزارة الإشراف ممثلة في وزير التعليم العالي هو الذي يتولى ، باعتباره هيئة تنسيقية استراتيجية تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، رسم السياسات العامة للتعليم والبحث، وتنسيق أنشطة المؤسسات الجامعية، وتنظيم البرامج الأكاديمية والدرجات العلمية، إلى جانب متابعة التعاون الدولي والخدمات الجامعية . اذن من أين جاء غياب المحاسبة وضعف التنسيق في مستوى السياسات العامة في ظل وجود هيكل مخصص لذلك تشرف عليه الوزارة التعليم العالي ذاتها؟ وبعد هذا فان اغلب قرارات المجالس تبقى استشارية وتخضع لمراقبة الوزارة.
ومن الواضح أن المبادرة لا يقصد منها غير العودة الى المجالس المحكومة بالمعينين وهؤلاء في الظروف التي نعيش فيها لا يمكن أن يصدر تعيينهم إلا عن رغبة في تقريب الموالين هذا من جهة ومن جهة الأخرى فان المقصود ليس فقط رئاسة الجامعة بل مجلس الجامعات وهو الذي يحدد السياسات العامة ويشرف عليه وزير التعليم العالي كما ذكرنا وهكذا وبموجب هذا المقترح يراد الاستلاء على الهيكلين الأكثر أهمية في مؤسسات التعليم العالي والأكثر التصاقا بحياة الجامعات . إذ يصبح رئيس الجامعة معينا وفيا لولي أمره لا سلطة عليه من المجلس و يصبح مجلس الجامعات بالنظر الى الصلاحيات الموكولة اليه مجلس الوزارة متركبا من وزير التعليم العالي رئيسا له ومعه من يسميهم الوزير من رؤساء الجامعات وله الفضل في تسميتهم .أما الحديث عن برامج وتصورات يقدمها المترشح للمنصب فهو مجرد ذر رماد في العيون . فمتى كانت المناصب تسند في هذه البلاد استنادا الى مبدأ الكفاءة ؟
إن هذه المبادرة تقوم في الواقع على خلفية لا ترى من المجالس غير رؤوسها قدوة بالمستوى السياسي المحكوم بالزعيم الأوحد الذي بيده الأمر والنهي . ولما كان الأمر كذلك فلا يعقل أن يكون الرأس المدبر والمسؤول الأوحد" لعبة " في يد الناخبين بل لا يمكن إلا أن يكون صنيعة السلطة السياسية التي أصبحت عدوا لكل جسم حر. وبمنطق عامي جدا نحن بإزاء منطق " أمسك بالرأس يطاوعك الجسم كله " . هل نحن بإزاء تبادل للأدوار بين السلطة السياسية والبرلمان يتعاونان على قتل كل نفس حر؟ إن رائحة وزارة التعليم العالي في هذه المبادرة التشريعية تزكم الأنوف. ولعلها تكون بالون اختبار لقياس مدى مقاومة الجامعيين والاتحاد العام التونسي للشغل لمثل هذه المبادرة رغم تعاسة أوضاعه .
ولا شك أن الظرف السياسي قد سهل على النواب تقديم هذه المبادرة فلا أحد يتصور أنه كان بالإمكان الإقدام عليها في غير هذا الظرف . وما كان لها أن تخرج علينا الا في ظل انهيار كل مقومات الحياة الديمقراطية في البلاد وتراجع دور النقابات ومنها دور نقابة التعليم العالي في ظل لا مبالاة الجامعيين المهمومين بمصيرهم الشخصي بعيدا عن أي مشاركة في الحياة العامة. فالجامعي منذ دخوله الى الجامعة للتدريس بها لا يحلم بغير ترقياته وأجره في ظل تعاسة أجور الجامعيين التي دفعت الكثير منهم الى الرحيل الى منابع الأجر المدفوع بالدولار السخي .
إن مبدأ انتخاب كل هياكل التسيير في الجامعة مثل ثمرة نضالات مريرة خاضها الجامعيون خلال عشرات السنوات منذ تأسيس الجامعة التونسية فيما يتعلق بانتخاب رؤساء الجامعات والعمداء والمديرين، وان التنكر للمطالب الديمقراطية المتعلقة بمراجعة طرق الانتخاب لا سيما مبدأ الانتخاب المباشر. يمثل ضربة قاصمة للمؤسسة الجامعية بأسرها. ومن يدري ماذا تحمله هذه المبادرة في المستقبل من مبادرات من جنسها وفصيلتها ؟
وعليه فأن أية مسؤولية في التفويت في فرصة التكريس الكامل لمبادئ الإدارة الرشيدة والتشاركية في الجامعة التونسية تقع على عاتق المجتمع المدني بأسره ولكن أولا على عاتق الجامعيين .
أن المطالب الديمقراطية للجامعيين تمثل استحقاقات مشروعة لا بد من مواصلة النضال لتحقيقها إضافة إلى بقية الملفات الكبرى خاصة منها المتعلقة بسلطة القرار الحقيقي في مستوى المجالس العلمية ومجالس الجامعات و بمراجعة منظومة "إمد "وتعزيز دور مخابر البحث شبه الشكلية في جامعة تستهلك ولا تنتج إلا قليلا و مراجعة الأنظمة الأساسية وهو ما يعني تمسك الجامعيين بتلك المطالب وإعادة طرحها على طاولة المفاوضات مع كل الأطراف المعنية من سلطة إشراف ومجالس علمية و مجالس جامعات وهياكل نقابية.