لا علاقة لي باليهود ولا بالمسيحيين. وما وقف أحد قبالتي ليذرف دموعا لأجل رب أربابه .أنا ابن هذه الأرض وبأيدي أبنائها وضع أول حجر في أساسي .كنت صلبا قويا متماسكا . موقعي المختار لم يكن من الغبار الناعم الذي سرعان ما ينجرف من هبوب الرياح بل من الآجر العريض والإسمنت الصخري.
كانت لدي فرصة جيدة في ألا أكون فريسة لرياح قوية تفضي الى تهتك بنياني ..غير أن للزمان فعله وللأنواء أثارها المدمرة . تشققت جدراني مع الوقت ولا أحد رأى ولا أحد سمع. فالعيون "عمشى" والآذان مقفلة على صلصالها السميك.
في ذلك اليوم الموعود كانت تنبؤات الأحوال الجوية من الوثوقية الى حد كبير بأن الخطر داهم والمصير محتوم غير أن القلوب التي أصابها العمى لم تكن ترى مني غير شيء متماسك ولكنه خادع .
لا أحد أبصر الخطوط والشقوق والأخاديد التي داهمتني . ولم يكن باستطاعتي أن أنبه أحدا لما آل اليه حالي . فمتى كانت الحيطان اذا تكلمت وصل صوتها الى الصم في بلاد أهلها أشبه بالحيطان غلظة وقسوة ؟.
في ذلك اليوم كنت أرى البشر الغاطسين في الوحل والطمى يعبرون الطريق اسفل كياني المتهتك . لم يكن باستطاعتي الصراخ في وجوههم "ابتعدوا عني فأنا بريء من ذنبكم وذنب أولى الأمر منكم لم يتعهدوني بالرعاية والصيانة " . ظلت الأرجل تميد فوق رأسي وظلت الهامات تسبح تحتي.
و كان يوم مشؤوم غائم ملبد
استيقظ الطفل بعد أن رفعت أمه الغطاء على رأسه المدفون في أغطية الدفء الناعم . فهو يكره أن يستيقظ إلا بعد إلحاح ولجاج . ألبسته الأم ميدته وودعته وهي تتابع بنظارتها خطواته المتثاقلة وهو يسير الى مدرسته البعيدة.
لم تكن الأم ولا الطفل يدركان معنى الخطر الداهم. ولا كانا على موعد مع الموت وهل نبههم أحد الى ذلك ؟
ظل الطفل يسير مترنما بأغنية قديمة سمعها من أبيه ولا يعرف لها معنى " امشي الحيط الحيط وقول يا ربي الستر "
كان ذلك اليوم المشؤوم اخر أيام تماسكي.. لم تعد الأرض تتحمل ثقلي وهويت وتفتت ووقعت أجزاء متنافرة متناثرة من طوب وحجارة. لم أكن ادري أن نهايتي ونهايته واحدة.. انفجر الدم من رأس الطفل سميكا وهو يسبر تحتي قبل أن أهوى وتكسرت ضلوعه. لم يبك الطفل. لم يجد فرصة للبكاء فلم تترك له حجارتي وآخر ما تبقى مني حتى فرصة للصراخ والنجدة.
في تلك اللحظة كان كل شيء عائما وصامتا ودون حركة. وكان متسع السماء فارغا .. لم يجد الطفل الوقت ليطلب النجدة من أمه كما كان يفعل كلما احمرت عينا أبيه . لم يجد الوقت ليحتمي بحضنها الدافئ فارقت الروح الجسد الصغير " أماه سامحيني اذا فارقتك وانا في عمر الأقحوان أمّاه لو كان عمري بيدي لمددته من أجلك ولكنه أمر ربي ..
نعم أيها الفتى الممدد على آخر ما تبقى من حائط المبكى لا راد لقضائه وقدره ولكنها أيضا جريمة الكبار يا صغيري.
ظل الطفل ملقى بين الحجارة والغبار . حين اكتشفت جثته وحمل الخبر الى أمه .
صيحة مبحوحة مدوية ولكن لا يسمعها غير من جربوا خسارة الضنى وحرقة الكبد.
من يعزيك أيتها الأم الثكلى؟ من يستمع الى نحيبك ؟
بني لن اقبل عزاءا فيك .و لن أبكيك يوما لأني سأبكيك الدهر كله ويدي الى العلي طالبة لك الرحمة .
ولكن أيتها الأم الثكلى هل ينتقم العلي ممن كانوا وراء وجيعتك ومصابك الجلل ؟ ما أكثرهم !!.البعض منهم لا يزال يقتات من دم الأبرياء ويضحك على دموع البؤساء رادا الكارثة الى قضاء بريء من دم الزهور أو واعدا إياهم بجنات خلد يكون فيها الملاك الطاهر يسقيهم النعيم شرابًا لا رجس فيه ولا دنس.
أضعنا البوصلة.. لا احد فينا اليوم يحزن على أحد ولا أحد يبكي على أحد .. الكل منا يمشي الحيط الحيط قبل أن تسقط كل الحيطان على رؤوسنا بفعل العبث والإهمال .... ولا هم يدركون.