في المواعظ الرمضانية التي تبثها التلفزة الوطنية : محمد العزيز بن زكور نموذجا

استمعت منذ أيام الى حديث محمد العزيز بن زكور ضمن الحصة اليومية التي تبثها التلفزة الوطنية بعنوان " رقائق في دقائق " ( أنا مولع بالاستماع الى المواعظ الرمضانية لأسباب تتعلق بالبحث أحيانا ) .

وبن زكور بحسب ما يقدمه البرنامج دكتور . ولعله حاز الدكتورا من كلية الآداب بمنوبة ومن قسم العربية وهو قسم عرف بجدية البحوث المقدمة في نطاق هذه الشهادة سواء في الأدب أو الحضارة كما عرفت بصرامتها و عقلانيتها .

كان بن زكور يتحدث عن معنى " الحمد لله " وينصح المؤمنين بالإكثار من ترديدها عند العطس . بعد استعراض ما قال المفسرون حول معنى الروح وحول اختلافها عن معنى النفس واستشهاده بالقول القرآني" قل الروح من امر ربي" يؤكد لمستمعيه أن أول كلمة نطق بها الإنسان هي كلمة " الحمد لله " وقد نطق بها ادم .

والقصة معروفة ولعل المتحدث أخذها دون تغيير يذكر من حكايات القصاص مثل الثعلبي النيسبوري في" عرائس المجالس " أو الكسائي في "قصص الأنبياء " .

يورد علينا بن زكور في سياق حديثه عن قيمة " عبارة " الحمد لله " قصة نفخ الروح في ادم ويستغل الفرصة لوصف هذا المخلوق العجيب فيقدم لنا اقتداء بالقصاص شيئا قليلا من حديث ينسبونه الى العلماء دون تحديد لهؤلاء العلماء " قال العلماء فلما أراد الله أن ينفخ الروح في ادم عليه السلام أمرها أن تدخل في فيه فقالت الروح مدخل بعيد القعر مظلم المدخل فقال للروح ثانية فقالت مثل ذلك وكذلك ثالثة الى أن قال في الرابعة ادخلي كرها واخرجي كرها فلما أمرها الله تعالى بذلك دخلت في فيه فأول ما نفخ الروح دخلت دماغه فاستدارت مقدار مائتي عام ثم نزلت في عينيه ثم نزلت في خياشيمه فعطس فحين فراغه من عطاسه نزلت الروح الى فيه ولسانه" وفي ظل غياب أية إشارة الى هذه التفاصيل في القران فان القصاص ومعهم بن زكور يختلق ما يراه يتناسب مع بعض جوانب هذه القصة فلقد قال الله تعالى حين عطس ادم بحسب ما يقولون " يرحمك ربك يا ادم للرحمة خلقتك وقال تعالى " سبقت رحمتي غضبي " فيقول ادم "الحمد لله" .

ولقد اختلق القصاص بلا شك هذه القصة اختلاقا إلا أن صيغة الكلام التي يقدمون بها القصة ومعهم وبن زكور " قال تعالى " يبدو وكأنها تشير الى القران. والواقع انه لا وجود في القران الى هذه القصة أو لهذا الحوار كما يرويه بن زكور مثل القصاص تماما . ولعل الرغبة في مسرحة حكاية ادم والعطس هي التي طغت على حديث صاحب" رقائق في دقائق" فجعلته يخلط بين ما هو كلام الله وما ليس بكلامه وذلك مفهوم ما دامت إرادة المتكلم هو وضع فروع القصة وزوائدها ضمن اطار القول الإلهي و السرد القرآني العام .

واذا لم يتوفر هذا الاطار كان القصاص الذين يسلك بن زكور طريقهم يختلقونه اختلاقا أو يجبرون النص إجبارا على أن يخدم غرضهم " فلما نزلت الروح الى صدر ادم وشراسيفه اخذ يعالج القيام فلم يمكنه ذلك وذلك قوله تعالى " كان الإنسان عجولا و "خلق الإنسان من عجل " والآيتان مقتطعتان من سياقيين بعيدين كل البعد عن تصوير مشهد الخلق ومتصلين بتصوير الله لطبيعة الإنسان وماهيته . ومهما كانت المناسبة التي تجمع بين القصة كما يرويها القصاص ومنهم الثعلبي النيسبوري في كتابه " عرائس المجالس " فان إرادة القصاص كانت تتجاوز دائما مجرد القص ما دامت تقصد الموعظة تماما مثل بن زكور و تبحث في واقع الإنسان وماهيته حين تربط هذا الواقع وهذه الماهية بقصة الخلق الأول وترجع بعض صفات الإنسان الى بداية خلقه في اطار تجهد ان تجد نواته في كلام الله .

ماذا نستخلص من ذلك ؟ أن في حديث بن زكور بلباسه التقليدي الذي يحاكي لباس الفقهاء والعلماء وبالكتب التي تصاحبه والتي يقرأ منها أحيانا وبلباقته وقدرته الظاهرة على الحفظ ما يجعله يمتلك كل أسباب التأثير و الإقناع في عقول العامة الذين لا شك أن بن زكور رغم ثقافته يتوجه اليهم دون غيرهم وكانه لا يوجد بين المسلمين من حباه الله بشيء من العقل ليمحص الروايات ويغربل الأقوال .

و بسبب الصفات التي ذكرناها حول براعة بن زكور في الحديث والمسامرة يملك الرجل كثيرا من أسباب الإمتاع والمؤانسة ولكن هنا أيضا تكمن خطورته وضعفه فهو كثيرا ما يخلق قرابة وهمية بين كلام الله عز وجل ومجموعة من الأساطير والخرافات بعضها من صنع أهل الكتاب وكلها تنتمي الى ثقافة القرون الوسطى . والأخطر من ذلك انه يضفى على هذه التصورات هالة من القداسة مكنتها من أن تستمر في الماضي في عقول العامة ويريد البعض لها أن تستمر حاضرا في عقول الناس جميعا في عصر العلم ومنتجات الفكر الألسني وطبيعة نشأة اللغة عند البشر وكيفية تطور اللسان البشري .فهل يصلح القول بان أول كلمة نطق بها الإنسان هي " عبارة " الحمد لله " ولقد نطق بها ادم كلاما لغير عامة الناس ؟

قد يحلو للأدباء والروائيين أن يستغلوا هذا التراث القديم وهذه الأساطير الغابرة حين ينطلقون منها بكل ما فيها من خيال وجمال (كتاب" عرائس المجالس للثعلبي مثلا من امتع من قرأت من أساطير القدماء) بعد أن يجردوه من القداسة ويحولونه الى متعة خالصة ولا يكون ذلك إلا اذا تجاوزنا الأسطورة في جميع تجلياتها وصورها وجعلنا منها موضوعا للخلق الفني العجائبي اذا كان هذا الفن هو ما يستطيع الإنسان أن يستفيده من خرافاته عندما يكف عن النظر اليها باعتبارها مسالة مقدسة جدية تصلح أن تكون عظة في شهر رمضان فيحولها الى خلق فني وهنا يمكن للإنسان الحديث أن يتمتع بسحرها دون قداسة ولا تعظيم .

هل يصلح كلام مثل كلام بن زكور حقا لتهذيب عقول المؤمنين اليوم تنويرا وتحريرا من الخرافات القديمة ام انه اعتداء صريح على العقول لا يصلح أن يصدر عن دكتور باحث يتنكر لصفته تلك ليتحول الى قاص من القرون الوسطى في بعض مساجد البصرة القديمة.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات