الصادق قحبيش و اللغة "الشوارعية "على المباشر

يجري منذ أيام حوار ساخن في وسائل التواصل الاجتماعي حول الكلمة الجنسية التي نطق بها الطبيب والمحلل الرياضي الصادق قحبيش في إذاعة الديوان وفي بلاتو رياضي على المباشر (مني ..) وتختلف الآراء وتتناقض حول الحادثة : فهناك من شن حملة على المتكلم معتبرا تلفظه بتلك الكلمة إسفافا وانحطاطا أخلاقيا وذوقيا وهناك وبالعكس تماما من حاول ان يجد له عذرا بالقول انه لا احد منا ينجو من استعمال الألفاظ الجنسية في لغته اليومية وان تجريم الرجل هو ضرب من النفاق الاجتماعي .

أولا من الضروري التأكيد أن لغتنا اليومية خاصة في صفوف الرجال تتسم بطغيان اللغة الجنسية وهي في أكثرها موجهة ضد العملية الجنسية وخاصة ضد المرأة ولهذا أسباب اجتماعية ونفسية كثيرة ...

ولكن هل أن كثرة استعمال اللغة الجنسية في حياتنا اليومية وعند الرجال خاصة تبرر الى حد ما دخولها الى الفضاء العام وخاصة الى الاعلام وعلى المباشر؟

لغة الجنس وضوابط السياق

إن التحليل اللغوي البسيط يؤكد أن لغة المتكلم تحدّد حسب المكان بوضع ضوابط وفروق بين لغة المنزل ولغة الشارع وتحدد حسب الجنس بالتمييز بين لغة النساء وتلك الخاصة بالرجال وتحدد كذلك حسب السن بالتفرقة بين حديث الكبار وحديث الصغار كما تحدد حسب الجهات والمناطق فبعض الكلمات التي يجوز استعمالها في الفضاء العائلي وفي وسائل الاعلام في بعض الجهات التونسية مثلا تعتبر" عيبا " في جهات أخرى مثل كلمة " يتمنيك" أي يسخر التي اشتقت من الجذر" ن ي ك " وهو الجذر الذي تشتق منه اغلب الألفاظ الدالة على العملية الجنسية أو كلمة " بلّع " أي اسكت " لما فيها من دلالة جنسية مجازية .

فمنذ خروج الطفل في مجتمعاتنا الى المدرسة والشارع يتلقن وبسرعة مدهشة لغة الجنس العنيفة التي يتمرن عليها حتى تصير لغة مشبعة قليلا أو كثيرا بكل أنواع الألفاظ الجنسية سواء بشكل مباشر أو بشكل مجازي واستعاري وذلك بقطع النظر عن المستوى الثقافي والاجتماعي عند المتكلم وعند الرجال خاصة . فلا احد بإمكانه الفرار من هذه اللغة تقريبا . فأطفالنا يتعلمون الجنس باكرا منذ سن لا يتجاوز العاشرة عبر تحقير العملية الجنسية تماما مثل اللفظ الذي يستعمله قحبيش ( مني...) وعبر التشهير بالأم والتهديد بمواقعتها ( كثيرا ما يستعمل هذا التهديد بمواقعة الأم رمز الشرف والعفة في ملاعبنا ضد لاعبي الفريق المنافس) وعبر استخدام أعضاء المرأة التناسلية في الشتائم واحيانا في المدح مثل القول عن شيء انه ( ز.... ) كما يستخدم الكبار والصغار وبشكل قبيح العضو التناسلي الذكري للتحقير( كيف كذا.. ) ، وأحياناً استعمال الفاظ تحقر من الممارسة المثلية وارتباطها بالقذارة . وفي المحصلة يبقى لتحقير العملية الجنسية وسب النساء الحصة الأكبر في الشتائم .

ذلك كله أمر معلوم ومن النفاق أن نتجاهله ولا فائدة أن نتوسع في دلالة انتشار هذه اللغة في مجتمعنا وفي مجتمعات أخرى غيرنا إذ "يُعد الحديث عن الجنس أو الألفاظ الجنسية عند علماء النفس أداة نفسية للتنفيس عن الكبت الجنسي الذي ينتج عن عوائق اجتماعية أو عاطفية أو دينية. ويمثل هذا السلوك عملية تفريغ مجازية للطاقة الجنسية المكبوتة ".

غير أن ذلك لا يمنع من أننا نتعلم منذ طفولتنا أن نميز بين اللغة التي نستعملها في ما بيننا في الشارع وفي المقهى وفي ملاعب الكرة وبين اللغة التي نستعملها في نطاق العائلة أو في مقاعد المدرسة ومع من هم اكبر منا سنا او مكانة تلك حدود نتدرب عليها مثلما نتدرب منذ صغرنا على لغة الجنس وعدا حالات الخصومات الحادة داخل العائلة فإنه من النادر أن تفلت منا كلمة جنسية "نابية " في الوسط الاسري أو في الجلسات العامة المختلطة بين النساء والرجال إذ أن وجود امرأة واحدة ضمن مجتمع رجالي ذكوري ينقى اللغة من شوائب اللغة الجنسية الذكورية .

وعليه فان ما وقع في بلاتو إذاعة الديوان يستدعي تعليقا عاما.

ملاحظات جوهرية :

1) من شبه الأكيد أن الدكتور محمد قحبيش مثل كثيرين من الرجال غيره قد تعود على استعمال مثل هذا اللفظ الذي تفوه به في حياته الخاصة . وهؤلاء الرجال هم الأكثر عرضة وبشكل لا واع بلا شك ( وضع الرجل يده على راسه استفظاعا منه لما صدر عنه ) الى الوقوع في حبائل الخلط وعدم التمييز بين الخاص والعام لغلبة الطبع وهيمنة العادة ولا ندري اذا كانت البلاتوات الرياضية وهي الأكثر ابتذالا قللت لديه حاسة التمييز هذه .

2)إن عيب الطبيب والمعلق الرياضي ليس في استعمال مثل تلك اللغة في المطلق فذلك امر يعنيه ولسنا رقباء أخلاقيين على ما يتفوه به غيرنا بل خطأه يتمثل في انه خرق احد القوانين اللغوية الأساسية والبديهية وهو قانون الضبط والتمييز بين لغة وأخرى ضمن السياق الاجتماعي والأخلاقي .

3 )إن انتشار حضور المعلقين الرياضيين من غير الحرفيين في البلاتوات الرياضية ومن غير المختصين قد نزل بمستوى الخطاب الى درجات كبيرة من الإسفاف فهؤلاء لا يتمثلون بسهولة قواعد المهنة الصحفية فالصحافة في المستوى المهني المتخصص تدرب على المسؤولية وانضباط في مخاطبة الجمهور والتزام باحترام المستمع وحرص على الارتفاع بالذوق العام فكثير من هذه البلاتوات تتبارى في تهييج الجمهور الرياضي وفي النزول بالتعليقات الرياضية الى اكبر درجات الانحطاط غير أن هناك ظاهرة أخرى لا تقل ابتذالا وهي ظاهرة الخلط بين اللغتين العربية والفرنسية المنتشرة بشكل مجاني في لغة المعلقين الرياضيين او المعلقين من غير الرياضيين خاصة وبشكل مضحك أحيانا ومن غير من لا يتقنون الفرنسية . ونحن نستحضر هنا التذكير بالتوصيات المنبثقة عن ندوة “اللغة والإعلام السمعي البصري” التي نظمتها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بتاريخ 29 مارس 2018 فقد ورد في هذا التذكير الدعوة الى " مزيد " تطوير الإطار القانوني والترتيبي المؤطر لموضوع اللغة في الإعلام بما في ذلك لغة الإشهار وصياغة الالتزامات المتعلقة بتجنب استخدام اللغة الهجينة سواء في كراس الشروط أو في اتفاقيات الإجازة لما في ذلك من خطورة على اللغة العربية الفصحى واللغة الدارجة التونسية . ولسنا في حاجة الى التذكير بان استعمال هذه اللغة الهجينة في غير ما حاجة لغوية الى استعمالها يعود غالبا الى عقدة ابراز التفوق والاستعلاء الناتج عن الشعور بالدونية ومن الغريب أن تستعمل هذه اللغة الهجينة في حين ان أكثر المتابعين للبرامج الرياضية هم الأقل معرفة باللغة الفرنسية .

4) نحن بلا شك لا تقبل استعمال ألفاظ سوقية وذات دلالة جنسية هابطة من المعلقين الرياضيين ولكن الخطأ وبشكل اكبر يقع على مقدمي البرامج فاذا كانت الكلمة النابية قد أفلتت دون وعي من الطبيب والمعلق الرياضي فان رد فعل المنشط الرياضي والصحافي بعد التفوه بالكلمة لا نجد له أي مبرر ولا عذر فهو ملزم أخلاقيا ومهنيا بمراقبة لغة الضيوف وتصحيح الأخطاء والتصدي المهذب وحينيا لكل الانزلاقات أو التجاوزات من أي نوع كانت فمن الغريب جدا أن المقدم الرياضي الذي بلا شك استمع الى الكلمة ولاحظ حركة قحبيش بوضع يده على راسه عقب النطق بها اكتفى بشكل ساذج ان لم نقل غيبا بكلمة "واضح" ولا ندري ما هو الواضح تحليل المعلق الرياضي حول أداء الفريق القيرواني في احدى مراحل جولات البطولة أو اختزاله هذا الأداء في لفظ "من..." ؟ وهو ما يدل بلا شك على ضعف تكوينه الصحفي الأمر الذي يستدعي الاهتمام بتكوين الصحافيين تكوينا يؤهلهم ان يكونوا حريصين على طبيعة الرسالة الإعلامية صرامة في أداء المعلومة وصفاء في اللغة المستعملة واحتراما للذوق العام والتزاما باحترام المستمع أو المشاهد.

أكبر من خطأ وأفدح من زلة

إن ما وقع في بلاتو الديوان هو اكثر من خطأ يستدعي الاعتذار وان كان الاعتذاران الصادران عن الدكتور والإذاعة نفسها جيدين ولا مناص منهما . إن هذه الحادثة تشير الى كثير من المعضلات التي دفعتنا الى كتابة هذا المقال و التي يشكو منها إعلامنا و تتمثل خصوصا في فتح وسائل الاعلام السمعية والبصرية لكل ما هب ودب وفي تباري هذه الوسائل الخاصة منها أولا على نشر ثقافة "البوز" والتهييج والاستهتار " من جهة وفي ضحالة تكوين الصحفيين وهو ما يستدعي إرساء تقاليد وقواعد رسكلة الصحافيين والتعهد بتكوينهم بالتنسيق مع معهد الصحافة وعلوم الإخبار للنهوض بمستوى اللغة الإعلامية وتطوير البرنامج التعليمي لطلبة الصحافة ودعم التكوين بالنسبة للإعلاميين المحترفين كما أشارت الى ذلك "الهايكا " ( التي وأدتها السطلة ) في توصياتها المذكورة ..

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات