حتى لا ننسى : الفصل العاشر ( العشرون ) خمس عشرة سنة من الجنون الانقلابي

أقر مؤتمر اتحاد الشغل المنعقد بالمنستير الأربعاء 25 مارس 2026 إلغاء الفصل 20 الذي 'عصف بوحدة الاتحاد' والذي تم بمقتضاه تمكين أعضاء المكتب التنفيذي من الترشح لثلاث دورات متتالية والعودة الى صيغة الفصل 10 من القانون الأساسي للاتحاد والذي ينص على تجديد ترشح أعضاء المكتب التنفيذي لدورتين متتاليتين فقط.

وتم التوافق في هذا الصدد على أن يتكون المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل من 13 عضوا ( عوض 15 ولعلهم جعلوه بهذا العدد في المؤتمر الماضي بعد ان فرض القانون دخول امرأتين الى المكتب وهكذا يحافظ الرجال على حصتهم السابقة أي 13 عضوا ) على ألا يتجاوز عدد المتقاعدين منهم 4 أعضاء وتكون قابلة للتجديد مرة واحدة والا يقل عدد النساء فيه عن اثنتين.

كما تم إقرار إمكانية تجديد الترشح للجامعات والاتحادات الجهوية ثلاث دورات متتالية.

هكذا انتهى فصل بغيض من تاريخ الاتحاد وجنون الانقلاب على الفصل العاشر ( العشرون بعد 2017 ) وعدنا الى ما قرره مؤتمر جربة .

وإيفاء بوعدنا في مقالنا المنشور يوم امس 26 مارس 2026 والتزاما به ننشر اليوم مقالا مطولا ( نرجو أن يصبر قارئنا على طوله) حول جنون الانقلاب على القانون الذي ركب القيادة لمدة خمس عشرة سنة من مؤتمر المنستير في 2006 الى المؤتمر الانقلابي الذي سمي زورا استثنائيا غير انتخابي في سوسة 2021.

وحتى لا ننسى فلنعد قليلا الى الوراء لنستعرض فصول هذا العبث . فالذكرة تنفع من باستطاعته أن ينصت الى صوتها وان يستجلي دواخلها وان يستخلص الدروس منها . حتى لا نقع في الجب مرتين .

القصة الحزينة للعبث النقابي

فلنبدأ القصة من بدايتها ؟ متى سن قانون تسقيف الترشح لعضوية المكتب التنفيذي بدورة قابلة للتجديد مرة واحدة ( 10 سنوات لا أكثر ) مع الملاحظة أننا سنحيل في كل المسائل القانونية المرتبطة بالأحداث قبل 2017 إلى القانون الأساسي والنظام الداخلي للاتحاد قبل تنقيحهما من مؤتمر قمرت 2017 قبل ( 2017).

1) )مؤتمر جربة " : اليوم خمر وغدا أمر "

كان ذلك في مؤتمر جربة المنعقد بتاريخ 7-8-9 فيفري 2002 . حينها طرحت المسألة وتم إقرار التسقيف بدورتين لا أكثر و جاءت كما يعلم ذلك كل النقابيين في سياق تاريخي محدد وهو ما كان يسمى " بالتصحيح النقابي " الذي رفع عدة شعارات دافع عنها المؤتمرون . ولم تكن " قيادة التصحيح " قادرة آنذاك على كبح جماح النقابيين أو لجم إصرارهم على " تصحيح الأوضاع النقابية " بعدما علم الجميع بشتى أنواع التجاوزات والخروقات التي أتاها الأمين العام إسماعيل السحباني بسبب التفرد بالرأي وغياب الديمقراطية وانعدام الشفافية. وقد حوكم الرجل بتهمة الفساد وحكم عليه بالسجن 7 سنوات .. لم يكن عبد السلام جراد الأمين العام الذي خلف السحباني عد تنحيته يدري هو وفريقه النقابي حينها أنهم كانوا يمارسون لعبة " خطيرة " قد لا يكونون قادرين على التحكم فيها في المستقبل وربما تقضي على أحلام البقاء لديهم حين ينقلب السحر على الساحر. فركبوا الموجة وسبحوا مع التيار وقبلوا بالطرح الديمقراطي ولكن بعقلية أعطهم ما يريدون " وغدوا يرحم ربي " لم يتردد عبد السلام جراد وعلي رمضان الأمين العام المساعد المكلف بالنظام الداخلي من بعده في الترحيب والتصفيق لقرار الدورتين على اثر مؤتمر جربة. فقد نظم الاتحاد مباشرة بعد المؤتمر مائدة مستديرة لتمجيد مكاسب " التصحيح " في خطوة عدها النقابيون حينها التزاما بمقررات جربة ومراكمة لروح التداول الديمقراطي في صلبه . …حسم الأمر أو هكذا ظن الكثير منا قبل أن نصل إلى مؤتمر المنستير .

2)) مؤتمر المنستير العاصف وانتصار إرادة الديمقراطي

بالرجوع إلى الوثيقة الرسمية الموزعة في مؤتمر المنستير في 2006 و الذي حضرته شخصيا ممثلا عن قطاع التعليم العالي مع أربعة نواب آخرين والتي تضمنت مشروع تنقيح الفصول من القانون الأساسي المتعلقة بالهيكلة مع شرح الأسباب الواجب قانونا مع أي تعديل، نلاحظ أن هذه الوثيقة التي انطلقت من مقررات ولوائح المؤتمر الاستثنائي بجربة والمجلس الوطني بطبرقة بتاريخ 10-11-12 أفريل 2006 وتوصيات الهيئة الإدارية الاستثنائية بتاريخ 9 أكتوبر 2006 لم تتضمن أية إشارة إلى تعديل الفصل العاشر بل اقترحت تعديلات على الفصول من 3 إلى 56 دون الفصل المتنازع حوله. معنى ذلك انه وقع التداول في ما يخص الفصل العاشر خارج الوثيقة المطروحة . ونميل إلى الاعتقاد إلى أن ذلك هو الذي دفع اللجنة المكلفة بمراجعة الهيكلة إلى الامتناع عن البتّ في شأن مراجعة الفصل إبان المؤتمر إذ أنّ أعضاءها لم يتوصلوا بشأنه إلى أيّ اقتراح لا في اتّجاه تنقيحه ولا في اتّجاه الإبقاء عليه على حالته وفضّلوا رفع الأمر إلى المؤتمر صاحب الصلاحيّة السيّادية في الحسم في شأنه في اتّجاه أو في اتّجاه آخر. كان الجو حين عرض الأمر على النّقاش العام على غاية من التوتّر الذي أنضاف إلى التوتّر الذي ساد المؤتمر برمّته جرّاء المحاصرة البوليسية للنزل ورفض دخول المترشحين غير المشاركين في المؤتمر الى داخله .ولقد عملت بعض " مجموعات الضّغط " على افتكاك موافقة من المؤتمر على تعديل الفصل المذكور بحجّة أنّه اتّخذ في ظروف استثنائية وأنّه مضرّ بمصلحة المنظمة نظرا إلى أنّه يعني خسارتها دفعة واحدة لأغلب خبراتها التي حنّكتها الأيّام والمحن والتي هيّ في أمسّ الحاجة إليها. إلاّ أنّهم لم يفلحوا في ذلك. حينها طالب البعض بإحالة الأمر إلى المجلس الوطني متعلّلين بأن جوّ المؤتمر الذي سادته الفوضى وطغت علية الحماسة الفيّاضة لا تؤهّله للنّقاش المتروّي في مسالة ذات أهميّة قصوى ولكنهم فشلوا هنا أيضا في الحصول على مبتغاهم. كان الجوّ على غاية من الاضطراب الذي كان ينذر بأسوأ العواقب إذ استمات أغلب المؤتمرين في الدّفاع عن الفصل العاشر وكاد الأمر أن يخرج عن نطاق السيطرة لولا تدخّل الأمين العام للاتحاد عبدالسلام جراد الذي أحسّ أنّ المؤتمر كلّه على حافة الهاوية ليحسم الأمر نهائيا في اتّجاه الإبقاء على الفصل على حاله تقيّدا بقرار مؤتمر جربة وبرأي عدد كبير من مؤتمري المنستير أو خوفا من إمكانية حصول تشابك بين الطرفين المتصارعين قد يؤدّي إلى فساد المؤتمر كله وانتهى الأمر بالإبقاء على الفصل على حاله ولم يفوض المؤتمر كما سيزعم بعض قياديي الاتحاد بعد ذلك أمر الحسم في الفصل العاشر إلى المجلس الوطني. وستظل مسالة التفويض .واحدة من أكثر طرق التحيّل التي حاولت القيادة من خلالها الانقضاض على القانون فلنوضح مسالة التفويض هذه لضرورة التحليل القادم . لأنها ستلاحقنا في هذا العرض … ما هو التفويض وما هي شروطه.

3) )مسالة التفويض من وجهة نظر قانونية

إن لوائح مؤتمر المنستير لم تتضمّن أيّ تفويض إلى المجلس الوطني ولا إلى غيره من هياكل المنظمة يؤدّي إلى القول بإمكانيّة تداول هذا الهيكل الأدنى ( المتحكم فيه من البيروقراطية أكثر من المؤتمر ) أو اتّخاذ القرار في ما يخصّ الفصل العاشر. على أنّه حتىّ لو افترضنا جدلا وجود هذا التفويض فهو باطل ولا يعمل به إذ لا يوجد البتّة في قوانين الاتحاد أيّ فصل يمكّن المؤتمر من تفويض إحدى صلاحياته السيادية التي يختصّ بها هو دون غيره إلى هيكل أدنى منه ( ادخل هذا التفويض في التنقيح الأخير للنظام الداخلي سنة 2017 انظر الفصل 23 ربما لاستعماله في المستقبل لأغراض انقلابية لاحقا ).

ونتبيّن ذلك بجلاء من خلال الفصل السادس والثمانين من القانون الأساسي والنظام الداخلي الذي ينصّص على ما يلي : "لا يجوز تنقيح القانون الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل إلاّ من قبل المؤتمر الوطني ويمكن للهيئة الإدارية الوطنية إضافة أو توضيح بعض الفصول التي لا يوجد لها نصّ واضح في الغرض بشرط أن لا تكون مخالفة لأحكام القانون الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل. " وهكذا يحدّد القانون نفسه الصّيّغ والحالات التي يمكن فيها لهيكل أدنى من المؤتمر التدخّل في توضيحه دون أن يجيز له تعديله بأيّة آلية سواء كانت تفويضا أو غيره. و معنى ذلك أنّ تعاطي المجلس الوطني لمسالة الفصل العاشر لو وقعت لكانت خرقا لقانون المنظمة.

ولا يقولنّ أحد هنا إنّ المؤتمر سيّد نفسه وإنّه يمكنه أن يتّخذ من القرارات ما يشاء، بل إنّ المؤتمر رغم طابعه السيّادي محكوم بالقانون و لا يملك أن يتّخذ من القرارات إلاّ ما كان متوافقا معه، مع العلم أنّ قانون المنظمة هو الذي يحدّد تركيبة المؤتمر الوطني ومهامّه وصلاحيّاته و هو ما جاءت به الفصول 5 و 6 و7 من القانون الأساسي.

على أنّه يمكن للمؤتمر أن يلجأ إلى تحوير القانون قبل اتخاذ أيّ قرار لا ينسجم معه على الحالة التي هو عليها قبل تعديله عملا بالفصل المشار إليه الذي يجيز له هذا التعديل بدون أن يكون لهذا التعديل أيّ اثر قانوني إلا بعد استيفاء إجراءات الإيداع القانونية أي أنّه إذا تمّ تنقيح أحد فصول القانون الأساسي فإنّ مفعوله لا يسري إلاّ لاحقا أي في المدد النيّابيّة القادمة. و لذلك لا يمكن تعديل الفصل العاشر خلال المؤتمر و تطبيقه بصيغته الجديدة و قبول ترشّحات من أمضى مدّتين بالمكتب التنفيذي في الجلسة ذاتها.

وتوضيحا لهذه المسالة النظرية ودون الدخول في تفاصيل قد تتجاوز السيّاق الذي نحن بصدده نقول إن انضواء مجموعة من الأشخاص داخل تنظيم قانوني للدفاع عن مجموعة من المصالح يعني في أهمّ تعريفاته أن تحكم هذا التنظيم قواعد وضوابط تحدّد من جملة ما تحدّده صلاحيات الهياكل داخله باعتبار أنّ ذلك الضبط يمثّل ضمانة أساسيّة ضدّ التفرّد بالسلطة أو الاستبداد بها من أحد هياكل التنظيم أيّا كان هذا الهيكل لكون التفرّد بالسلطة هو عائق أساسي أمام تحقّق المصلحة العامّة التي من أجلها تشكّل التنظيم إذ من المعلوم أنّ الاستبداد بالسلطة لا يخدم إلا المصالح الفردية الخاصّة لذلك فإنّ ضبط الصلاحيات هو ضمانة ضدّ التفرّد بالرأي وبناء عل ذلك لا يمكن لأي هيكل من الهياكل أن يكون فوق القواعد المنظمة لصلاحيّاته إذ أنّ تجاوز القاعدة أو الحدّ يتنافى مع فكرة التنظيم ذاته على أنّه إذا ما دعت الحاجة إلى تطوير القواعد التي يقوم عليها التنظيم بتنقيحها أو بسنّ قواعد جديدة فإنّ ذلك يتمّ بالتقيّد بقوانين التنظيم وليس بخرقها. وخلاصة الأمر أنّ الحديث عن تفويض من المؤتمر إلى المجلس الوطني للنظر في الفصل العاشر هو قول مخالف لقانون المنظمة ورغم ذلك ستظل خرافة التفويض تلاحق الفصل العاشر.

4)) علي بن رمضان يمارس الخديعة

اطلنا في هذه المعطيات القانونية لنتنين حجم التحيل الذي ستمارسه القيادة على قانونها اذ سيعود الحديث مرة أخرى عن الفصل العاشر في سنة 2010 فقد صرح على رمضان إلى جريدة الصباح بتاريخ 13 أوت 2010 بما يفيد أنّ مؤتمر المنستير قد فوّض إلى المجلس الوطني أمر النظر في هيكلة الاتحاد ومنها النظر في الفصل العاشر وهو كلام خاطئ واقعا وقانونا . كان ذلك مقدمة لهجوم جديد على الفصل العاشر إذ عاد الحديث بعد فشل محاولة مؤتمر المنستير عن تعديل الفصل المتنازع حوله وبقوة فقد دعا المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقد يوم 6 أكتوبر2010 لعقد هيئة إدارية وطنية للاتحاد يوم 23 من نفس الشهر تمهيدا لعقد المجلس الوطني للاتحاد خلال شهر جانفي.

كما نظر المكتب التنفيذي في جملة القضايا التي ستعرض على أنظار المجلس الوطني. وقرر تكوين مجموعة من اللجان لإعداد مشاريع اللوائح التي ستعكس وفق ما ارتأته القيادة النقابية حينها أهم الملفات التي تشغل بال النقابيين خلال تلك الفترة.

كان من المنتظر أن تنهي كافة اللجان أعمالها قبل يوم 20 نوفمبر 2010، وسيتم بعدها توزيع مشاريع اللوائح على الجهات والقطاعات لمناقشتها في هيئات إدارية جهوية كانت ستعقد في ديسمبر 2010، قبل أن تُعرض تلك اللوائح على الهيئة الإدارية الوطنية تمهيدا. لعرضها على المجلس الوطني. فيما ركزت القيادة النقابية على إبراز أهمية الملفات التي ستتناولها المحطات القادمة، واعتبرت بعض الأطراف في المعارضة النقابية أن المركزية النقابية تناور عبر طرحها لهذه الملفات من اجل الوصول إلى طريقة تتجاوز بها المأزق الذي وضعها فيه الفصل العاشر. كان الهدف الحقيقي من الدعوة إلى عقد مجلس وطني خلال شهر جانفي 2011 هو الدعوة الى عقد مؤتمر استثنائي للاتحاد. وسيكون المؤتمر في حال تمت الموافقة على الدعوة إليه غير انتخابي وستنحصر مهمته في النظر في إعادة الهيكلة، أي مراجعة نظام الدورتين الذي اقره مؤتمر جربة. بعدها ستقع الدعوة في نهاية سنة 2011 أو بداية 2012 إلى مؤتمر عادي انتخابي، تنحصر مهامه في انتخاب مكتب تنفيذي جديدي للمنظمة، ويكون حينها من حق كل أعضاء المكتب التنفيذي الترشح لعضوية المكتب التنفيذي في المؤتمر الذي كان مبرمجا لسنة 2011.

5)) اتفاق سري

كان لابد للمنظمة التي زكت ترشح بن علي للرئاسية في وقائع مخجلة( انظر تفاصيل أشغال الهيئة الإدارية الفضيحة في مقالنا " تزكية على طبق من الصمت " الموقف 21 جويلية 2009 )أن تستند عليه للانقلاب على قانونها فقد ضبط بن علي في لقاء جرى في 2010 قبيل سقوطه مع الأمين العام لاتحاد الشغل عبد السلام جراد تفاصيل الخطة النهائية لحل عقبة الفصل العاشر التي كانت ستقف حائلا دون التجديد لأغلبية أعضاء المكتب التنفيذي وقتها في المؤتمر القادم للإتحاد في 2011.

ويتكون الاتفاق الذي أعده المستشارون في الرئاسة ووافق عليه جراد من ثلاثة مراحل هي :

أولا عقد مجلس وطني في بداية 2011 يدعو إلى عقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي للاتحاد و ينكب فقط على إعادة هيكلة المنظمة الشغيلة.

ثانيا التئام المؤتمر الإستثنائي غير الإنتخابي بعد أشهر قليلة للنظر في الهيكلة بما في ذلك مراجعة الفقرة الواردة في الفصل العاشر والمتعلقة بحصر دورات أعضاء المكتب التنفيذي في دورتين من أجل جعلها دورات مفتوحة.

ثالثا عقد مؤتمر انتخابي في أواخر 2011 سيُمكن من التجديد للقيادة المنبثقة عن مؤتمر المنستير وعلى رأسها عبد السلام جراد.

ولو نجحت الخطة التي التزم جراد بتطبيقها بحذافيرها وبقي بن علي في الحكم لكانت قيادة الإتحاد قد قدمت لبن علي أكبر هدية إذ أنه كان ينوي استعمال المنظمة الشغيلة مُسوغا لكي يفعل هو بدستور البلاد ما فعلته زمرة جراد بدستور الإتحاد إذ بدأ الحديث منذ ذلك الوقت عن تحوير الدستور لإلغاء شرط العمر وهو75 سنة . فابن علي لو ترشح للانتخابات التي كانت ستجري في 2014 سيكون تجاوز هذا العمر . كانت هذه الخطة السرية ستضرب ديمقراطية الإتحاد وتحوله إلى مزرعة خاصة لجراد وزمرته، و هي تمثل في ذات الوقت أكبر ضرب لاستقلالية الإتحاد الذي ضحى من أجلها الشهداء وباع النقابيون الشرفاء في سبيل نيلها الغالي والنفيس. لكن رغم ذلك ومع الأسف ففي أي مرحلة من مراحل تاريخ منظمتنا الشغيلة لم تقبل قيادتها تلقي الأوامر من قصر قرطاج والتفاني في تنفيذها لخدمة المصالح الشخصية وتوسيع امتيازات البيروقراطية النقابية.؟ كان المشروع جاهزا غير أن الثورة جاءت لتفسد المؤامرة كلها وتنقذ الاتحاد.

6)) مؤتمر طبرقة : لا ييأسون من المحاولة

مع مؤتمر طبرقة (ديسمبر 2011 ) تعود نفس المعزوفة القديمة وهي القول بان نواب المؤتمر " فوضوا " بحسب المصطلح المتداول والذي لا أساس له من القانون كما راينا نواب المجلس الوطني الحسم في أي مشروع يقدم لهم جول الفضل العاشر! وقد جرى الحديث قبل المجلس عن وجود تفويض من مؤتمر طبرقة الى المجلس الوطني الذي انعقد في توزر للخوض في مسالة الهيكلة بما يمس القانون الأساسي للاتحاد . غير أن المجلس الوطني لم يأخذ بنظرية التفويض هذه بل نظر في الهيكلة وأحال ثمرة قرارته للمؤتمر الوطني القادم للمصادقة . وبهذا يكون المجلس قد اتخذ القرار الصحيح والحكيم . كما بينا.

7)) مؤتمر قمرت : وراك وراك والزمن طويل

كان الفصل العاشر مرة أخرى أحد عناصر المعركة الانتخابية بين قائمتي نور الدين الطبوبي وقائمة قاسم عفيّة والمساندين لكلّ منهما، ففي مؤتمر 2017 وبالنّسبة للمساندين للأمين العام المساعد المكلّف بالهجرة والعلاقات الدولية قاسم عفيّة. يستند رفض ترشيح 9 أعضاء من المكتب الوطني وقتها في القائمة التوافقيّة إلى هذا الفصل العاشر الذي سيجعل المكتب التنفيذي من بعدهم يشهد فراغا كبيرا أو «تصحّرا نقابياّ» كما يسميه النقابيّون.

أما حجّة المخالفين لهم والداعمين للقائمة التوافقيّة وترشيح 9 أعضاء من المكتب التنفيذي الوطني فرأيهم يتلخّص في سلب الرافضين لترشيح هؤلاء الـ9 سلاحهم، بمعنى أوضح تنقيح الفصل العاشر من القانون الأساسي لاتحاد الشغل في إتجاه جعله اكثر مرونة في علاقة بعدد الدورات المسموح بها لعضويّة المكتب التنفيذي الوطني، ، مثل قابليّة تلك العضوية للتجديد اكثر من عهدتين .فعوض أن تكون عضويّة المكتب التنفيذي الوطني قابلة للتجديد مرّة واحدة، كما ينص الفصل العاشر في صيغته سارية المفعول، يقترح الداعمون لترشيح 9 أعضاء من المكتب التنفيذي تنقيحا في اتجاه التجديد النسبي صلب المكتب التنفيذي وتحديدا تعديله في اتجاه التنصيص على "تجديد ثلث الأعضاء" ممن لم يعد لهم الحقّ في الترشّح للمكتب التنفيذي الوطني .

وذلك التجديد النسبي الذي يشمل ضرورة أعضاء المكتب التنفيذي الوطني الذين لم يعد لهم إمكانية للترشّح، يكون وفق إجراء انتخابات فيما بينهم فمثلا في حال حظي الأعضاء الـ9 في المركزية النقابيّة بثقة نواب المؤتمر الـ23 وفي حال صادق المؤتمر على تنقيح الفصل العاشر المُقترح فإن 6 منهم لهم الحقّ في إعادة الترشّح للمؤتمر الـ24 للمنظمة الشغيلة، خلافا للصيغة السارية المفعول وقتها للفصل التي تمنع هؤلاء الـ9 من الترشّح للمؤتمر الـ 24 غيرالمؤتمر حسم المسالة وترك الفصل على حاله. .

"المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي"

بالرجوع الى النظام الداخلي للاتحاد المنقح في المؤتمر 23 وخاصة الفصول 19و 20 و21 و 22 و 23 و 24 المتعلقة بالمؤتمر العام . فان النظام الداخلي يحدد مهام المؤتمر سواء كان عاديا او استثنائيا ولا وجود في القانون الداخلي ما يشير إلى صيغة المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي وهذه مهام المؤتمر العام كما يحددها الفصل 23 من النظام الداخلي.

– مناقشة التقريرين الأدبي والمالي للمكتب التنفيذي المتخلي و عرضهما على النواب للتصويت.

– ضبط برنامج الاتحاد واختياراته في مختلف المجالات.

– اتخاذ القرارات في المسائل الوطنية المطروحة عبر اللوائح الصادرة عنه.

– تنقيح القانون الأساسي للاتحاد و يمكنه تفويض ذلك إلى المجلس الوطني.

– انتخاب المكتب التنفيذي الوطني.

– انتخاب الهيئة الوطنية للنظام الداخلي.

- انتخاب الهيئة الوطنية للمراقبة المالية.

وبناء على صريح النص فإن قانون الاتحاد سواء كان القانون الأساسي أو النظام الداخلي حدد بكل دقة مهام المؤتمر العام سواء كان عاديا أو استثنائيا، والفرق بين المؤتمر العام العادي والمؤتمر العام الاستثنائي ليس في المهام بل في كيفية الدعوة لعقده و القانون الأساسي يبين ذلك بوضوح أيضا . وبالتالي لا يمكن من الناحية القانونية عقد مؤتمر عام استثنائي غير انتخابي لأن العملية الانتخابية لا يقوم مؤتمر بدونها وهي شرط وجوب لانعقاده انعقادا سليما وإلا كان معرضا لطعن أمام القضاء العدلي في شرعيته وفي شرعية ما يصدر عنه من قرارات تعلقت بالهيكلة أو بغيرها ممن له صفة ومصلحة . وهو ما يعني إن كل منخرط في الاتحاد يمكنه أن يمارس الطعن في أعمال أي مؤتمر استثنائي بصفته تلك.

الانقلاب في أكثر أشكاله خبثا

8))ماذا فعل الانقلابيون في مؤتمرهم الفضيحة في سوسة والذي أسموه استثنائيا غير انتخابي ؟

عدلوا الفصل 20 من القانون الأساسي للاتحاد وجعلوه الفصل 19 مكرر في مؤتمر لا قانوني.

جعلوا الأمين العام لا يبقى في الأمانة العامة أكثر من دورتين .

كان الطبوبي تسلم الأمانة العامة في 2017 لدورة أولى وكان عضوا في المكتب التنفيذي عقب مؤتمر طبرقة وهو ما يعني انه قضى دورتين في المكتب ولا حق له في الترشح .

وهو ما يعني أيضا وبوضوح وبشكل خبيث واعتبارا للفصل العاشر انه مدد لنفسه وسيترشح في المؤتمر القادم سنة2022 وهو ما وقع فعلا .

بقية الأمناء العامين بإمكانهم البقاء في عضوية المكتب مدى الحياة .

وهكذا ضمن الطبوبي لنفسه البقاء دورة أخرى في الأمانة العامة وضمن الآخرون ممن امضوا دورتين في المكتب الترشح مرة ثالثة بل الترشح مدى الحياة الى حين الحصول على مبتغاهم وهو الأمانة العامة ومن بينهم سامي الطاهري وحفيظ حفيظ وسمير الشفي وأنور بن قدور .

لم يضمن الطبوبي لنفسه البقاء فقط ولكن ضمن لنفسه أيضا أن يضع بعده في منصب الأمانة العامة من يريد ممن سيترشح لعضوية المكتب التنفيذي مرة أخرى في 2027 في انتظار دوره في الأمانة العامة ؟

اليس هذا إنجازا في حد ذاته ؟

هكذا يتحول المناضل النقابي الى إداري بسيارته الفخمة ومكتبه المكيف ووجاهته وصلاته وسطوته في منظمة هي " اقوى قوة في البلاد ".

كما يمكن للمسؤول النقابي في أعلى مستوى من المسؤولية صلب المركزية ثلاثين عاما أو اكثر كما هو الحال في بعض الاتحادات الجهوية مثل اتحاد منوبة أو اتحاد صفاقس حيث لم تتجدد الكتابة العامة لمدة تصل أحيانا الى ثلاثين عاما أن يبحث عن الوجاهة في مكان "اخر . "

فبعد المسؤولية النقابية يمكنه أن يصيرا وزيرا أو كاتب دولة مثل عبيد البريكي و محمد الطرابلسي وأنور بن قدور أو أن يحصل على منصبا في إحدى المنظمات العربية والدولية ليخلص يالدولار الثمين العزيز على قلوبنا جميعا .

هكذا يصنع الاتحاد من المناضل النقابي إداريا انتهازيا مستكرشا و متمعشا .

9))إهانة لكل النقابيين : ألا يخجلون ؟

إن القول بأن تسقيف العضوية في المكتب التنفيذي للاتحاد يؤدي إلى خسارة المنظمة لخبراتها هو ببساطة إهانة لكل النقابيين المناضلين . انه من السهل في هذه البلاد أن تكون وزيرا ولكن من الصعب جدا أن تكون عضوا في المكتب التنفيذي فذلك يحتاج بلا شك إلى عشرات السنوات من الخبرة النقابية ومن الانتماء إلى هياكل المنظمة بدءا بالنقابية الأساسية والفرع الجهوي والجامعة العامة أو النقابة العامة أو الاتحاد الجهوي ..فعضوية المكتب التنفيذي تحتاج على الأقل إلى عضوية الهياكل الوسطى جامعة عامة ، نقابة عامة ، اتحاد جهوي لمدة دورتين على الأقل ) 8 سنوات على الأقل إذ تتأخر أحيانا مؤتمرات هذه الهياكل حين تستفيد من الإمهال بسنة لعقد مؤتمراتها ) أليس هؤلاء أيضا خبرات الاتحاد ؟ ومن أين جاء أعضاء المكتب التنفيذي الحاليين أليسوا كلهم قد تدربوا على المسؤولية انطلاقا من الانتماء إلى كل هذه الهياكل .إن رفض التسقيف بحجة حفاظ المنظمة على مسؤوليها الأكفاء هو تحقير لجهد النقابيين وشخصنة بغيضة وتبرير لشهوة السلطة لا أكثر ولا اقل.

10))الفصل العشرون : صراع بين النهج الديمقراطي والنهج التسلطي

إن التناقض الرئيسي اليوم داخل الاتحاد وداخل الحركة النقابية عامة هو بين أنصار النهج البيروقراطي الجاثم على المنظمة النقابية منذ عقود وبين أنصار النهج الديمقراطي الذي يطمح منذ السبعينات من القرن الماضي خاصة مع الدخول الى الاتحاد من قبل العناصر اليسارية الخارجة توا من الجامعة والملتحقة خاصة بالتعليم الثانوي والمسلحة بثقافة سياسية متينة و الطامحة إلى تحقيق تحول نوعي داخل المنظمة لفائدة العمال والشغالين. فالبيروقراطية تريد توظيف شعار مصلحة الاتحاد والإبقاء على خبراته ( كلام حق أريد به باطل ) لمزيد سيطرتها على المنظمة وهو ما يفسر عودة الاستماتة في تحوير الفصل العاشر قبل أن يصبح الفصل عشرين مرة بعد أخرى وبنفس الصيغة التي رأيناها تتكرر أي مؤتمر استثنائي غير انتخابي . وبين المتمسكين بهذا الفصل لأنه يؤسس لحياة ديمقراطية حقيقة داخل الاتحاد، يكون من مبادئها التداول على المسؤولية النقابية درءا لكل أنواع الوصولية والفساد ، ومن البديهي أن يتركز الجدال دائما مثل ما كان الأمر منذ مؤتمر جربة حول الفصل العاشر او العشرين وهذا لا يعني أنه يختزل كافة جوانب الصراع بين النهجين المتضاربين داخل الاتحاد.

ولكن كما هو الحال في كل الصراعات فلا بدّ من أن تبرز مسألة من المسائل وتطغى على البقية وتتحوّل إلى عنوان للصراع بكامله . وإن ما جعل الفصل العشرين بعد تحوي 2017 يكتسي كل هذه الأهمية ويصبح « مسألة المسائل » هو انه يمسّ عصبا رئيسيا من أعصاب البيروقراطية النقابية، فإذا ما قطع، ماتت معه أعصابٌ أخرى وتوقفت عن الحياة. لذلك ليس من الغريب أن يتخذ الفصل العشرون كل هذا البعد وتتكثف حوله الصراعات بين الخطين النقابيين المتناقضين في الاتحاد. إن الذين كانوا يريدون تنقيحه خدمة لأغراضهم لا بحثا عن مصلحة الاتحاد هم عامة أنصار البيروقراطية المتسلطة والذين يتمسكون به هم عامة أنصار الديمقراطية النقابية. الذين يسعون الى تحقيق الديمقراطية داخل الاتحاد كوسيلة لتحقيق استقلاليته عبر إرجاع سلطة القرار فيه إلى أصحابها الشرعيين أي القواعد النقابية والعمالية وتحويله إلى إطار حقيقي للدفاع عن مصالح العمال والأجراء، لأن الاتحاد متى أصبح فعلا ديمقراطيا حرا، ومستقلا، ذاد عن تلك المصالح وقام بدور تقدمي داخل المجتمع ووقف إلى جانب الفئات الشعبية ومطالبها المشروعة وإلى جانب الحريات والديمقراطية.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات