اليوم
المشهد الأول
من عاداتي التي دأبت عليها منذ أجرتي الأولى في الوظيف البائس أن أذهب يوم السبت الى السوق المركزية بالعاصمة. تعجبني هناك الروائح الزكية للخضر والغلال وطريقة عرضها وأناشيد الباعة وهم يشهرونها. استعذب منظر السمك " الحي " في آخر السوق قبل الدخول الى المنطقة المخصصة لبيع النباتات وهي لم تغادر الماء إلا منذ ساعة. أصبحت مع الوقت صديقا للبائع الذي يحتفي بي و يخرج لي أحسن ما عنده من تحت الرف. دخلت السوق يومها من الباب الذي يفتح على نهج المانيا فيستقبلك مباشرة سوق السمك . استوقفتي امرأة وطلبت مني أن اشترى لها شيئا منه فلها صغار وليس لها عائل. كدت أقول لنفسي مثلما قال الرصافي رحمه الله " لقيتها يا ليتني ما كنت ألقاها ...تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها " ولكني فعلت ما وسع لجيي أن يفعل ..اضطررت بعدها أن اقتّر على نفسي فلم يكن بين يدي يومها غير النزر القليل فقد كنا في اخر الشهر. وبحسب العبارة الأكثر قتامة " مازالوا ما صبوش " سمعت رجلا يقول أن سعر السردينة في تونس اصبح كسعر الكروفات في المغرب ولعله مهاجر تونسي عائد من هناك . اشتريت رطلين من ولد البحر بما مكنني منه جيبي بعد أن صار ثمنه كيسارية من محمد علي أو كسمك الأرنب يصيبان في مقتل.. حلفت بأغلظ الأيمان و بالطلاق أيضا ألا أعود الى السوق إلا بعد أن يعود الى الأسعار رشدها في هذا البلد الذي صار يحكمه الجنون .
المشهد الثاني
في ضاحية من ضواحي تونس الشمالية وفي حي يصنف من بين الأحياء « الراقية» شاهدت صفا أمام محل لبيع المواد الغذائية كثر فيه الهرج وتعالت الأصوات وكاد الأمر أن يصل الى العراك بالأيدي سألت عن السبب فقيل لي أن القهوة تباع بالسعر المدعوم أي 5 دنانير لربع الكيلو . ترددت في الوقوف مع الواقفين .ولكني كرهت ذلك فقد أصبحت أقضي ساعة او ساعتين من عمري وأنا ابحث عن الزبدة التي اختفت منذ عام تقريبا و لشراء السكر الذي يحضر ويغيب والأرز المدعوم الذي نسيت وزارة التجارة دعمه منذ مدة فلم تعد ترى منه غير الأنواع الرفيعة التي يتجاوز سعرها ال 7 دنانير وعن أنواع الطماطم والفلفل التي يقل سعرها عن 6 دنانير حتى لا يكلفني ثمن العجة ثمن كيلو من الزعفران . لعنت مروري بالمحل لأنه سيضطرني الى الكذب . لم أشتر القهوة.
المشهد الثالث
أفاق أفراد العائلة صباحا. سألوني عن القهوة التي وعدتهم بجلبها فقد نفد مخزوننا منها .لم أقل لهم أني كرهت الوقوف في الصف لشرائها بثمن الزوالي ..أعلمتهم باستحياء أني لم أجدها . سادت الكآبة البيت ثم تحولت الكآبة الى غضب صب جامه على رأسي لأني أب متقاعس أو بخيل يستكثر على العائلة فنجانا من القهوة . كاد الأمر أن يتحول الى خصام عائلي .غادرت البيت تفاديا لما هو أفدح .ذهبت لاحتساء شادلية أخرى خلسة و بعيدا عنهم .
المشهد الرابع
مررت صباحا بمقهى وضع لافتة كبيرة في « التيراس » كتب عليها «هنا يباع البنّ المدعوم خلسة» ..ضحكت كثيرا للقياس الفكه بين البن وأم المعاصي ..والحقيقة انه لا فرق بين هذا و تلك. فشعبنا مدمن على القهوة كما هو مدمن على البيرة. لم أرد تصوير اللافتة ربما خشيت من صاحب المقهى الذي قد يبدو له مشهد تصوير واجهة محله مريبا وقد أكون خشيت أيضا أن أتهم بأني ضد الحكومة لأني أعيش في بلد سوّى فيه الحاكم بين البن والخمر حتى لكأن البن أصبح معصية تماما مثل السلتيا والمرناق يشتريان خلسة وهما لا يتوفران يوم الجمعة أو بعد الثامنة ليلا في غيرها من الأيام لمن لا يطيق البعد عنهما ..لا مشكلة « وداوني بالمرناق حين تغيب القهوة ».
المشهد الخامس
أتابع باهتمام كبير المعركة الحامية بين الإفريقي والترجي معركة مصيرية لا أدري من سينتصر فيها وهي معركة اجتمع بصددها وزير الشباب والرياضة التونسي، الصادق المورالي، يوم الأربعاء 22 أفريل 2026، برئيس النادي الأفريقي محسن الطرابلسي ورئيس الترجي حمدي المؤدب، بحضور رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم معز الناصري ونائبه حسين جنيح و تمحور اللقاء حول إنهاء الموسم الرياضي بعيداً عن الاتهامات بتهريب العملة وتضارب المصالح . ( كنت احسب أن هذه الالفاظ اللعينة خاصة بالسياسة والسياسيين وبرجال الأعمال ) كما أتابع أحيانا المعركة الحامية بين انصار الإفريقي والترجي على مواقع التواصل الاجتماعي قوارير على رؤوس الجميع وضرب حجر في معركة افتراضية في فيراج الفيسبوك . تمنيت ان أرى نفس الاهتمام بقضايا أخرى ولكني تذكرت أن" الأخرى " في ظل عدم الانخراط في سب اللصوص و الخونة والمتعاونين مع الخارج قد تقود الى هناك حيث تسكن خالتي عيشوشة في بلد صار فيه النادي الرياضي بحجم وطن ونيل البطولة في حجم التحرر من بؤس الواقع وضياع المصائر. ولكن هل بقي لنا غير الكورة ؟ لا ادري لماذا تذكرت هنا مثلا لدى الهنود الحمر يقول " اذا أردت أن تكون سعيدا فتناول الأفيون مع الجماعة ".
المشهد السادس
استمعت مثل غيري الى وزير النقل التونسي يقول " إن كثيرا من الركاب يفضلون النزول بمطار قرطاج أو الإقلاع منه دون مطارات البلاد الأخرى لأن عبد الحليم حافظ وأم كلثوم نزلا به. كما استمعت الى نائب في البرلمان يطلب من النساء التونسيات تسليم مصوغهن الى البنك المركزي دعما لمدخراته من الذهب " ضحكت مع الضاحكين . . حاولت إيجاد رابط بين التصريحين. لم أجد من صلة غير قول ينسب الى انشتاين ولا أدري أن كانت النسبة صحيحة أو منحولة " الفرق بين الغباء والعبقرية أن العبقرية لها حدود " .
المشهد السابع
أتابع الحملة التي يشنها انصار النظام ( لا ادري إن كانوا كثيرين أو قليلين) هذه الأيام بسبب خطاب ألقته دليلة مصدق في الاتحاد الأوروبي على المعارضين جميعا : يمينا ويسارا ووسطا دفاعا عن النظام القائم رغم تعاسة ما نحن فيه . تذكرت متلازمة ستوكهلوم Syndrome de Stockholm التي اشتق اسمها من الفيلم الشهير "ستوكولهم ." ويحكي الفيلم قصة السطو على بنك كما يروي قصة الغرام التي تنشأ بين موظفة بالبنك وأحد أفراد العصابة الذين سطوا على المؤسسة . شاهدت الفيلم من قبل ولكن ربما لمرض المازوشية الذي أعاني منه مثل كثير من التونسيين قررت وأنا بكامل وطنيتي المفعمة بحب تونس وكره العملاء والخونة الذين يرتمون في أحضان الخارج أن أعيد مشاهدة الفيلم كل سنة بمناسبة عيد الجمهورية وما جاوره وأنا احتسي فنجانا من القهوة بلا سكر.
قبل أربع سنوات وبضعة أشهر
مشهد وحيد ليلة القدر
فتحت التلفزيون ليلة 25 جويلية من ذات سنة .. البلاد مقبلة على عهد جديد .السيارات تصيح وتزمر .. النظام استجاب لرغبة التونسيين فألغى الحكومة و جمد البرلمان في انتظار إلغاء كل نفس حر ..تهاطلت مواقف الإشادة والمباركة.. لم يتخلف أحد : اتحاد الشعل، النساء الديمقراطيات، نقابة الصحافيين، كثير من الأحزاب، ما شاء الله من الجمعيات . »أمشي يا زمان وإيجا يا زمان. ». صار هؤلاء معارضين قليلا أو كثيرا لما وعدت به تلك الليلة من" نعيم" حين صار السجن قسمة عادلة بين الجميع و طعاما لكل فم . لم يبق في المشهد غير رجل مفرد يتكلم وحده أما البقية فأرجو ألا يكون فاتهم ما فات المهبول ليلة الدخول . بعد أن اصبح الحاضر أكثر سودا من غراب البين واكثر قتامة من ليلة ظلماء بلا بدر … وسلّملي على "العشرية السوداء ".