لا تطلبوا المولى الحسين * بأرض شرق أو بغرب
ودعوا الجميع وعرّجوا * نحوي فمشهده بقلبي
لا تطلبوا رأس الحسين فإنه * لا في حمى ثاو ولا في وادي
لكنّما صفو الولاء يدّلكم * في أنه المقبور وسط فؤادي
من أدب الطف
القلب اذا غادره الحزن خرب
"كتاب التجليات "
وجود الحسين مرشدا للراوي في كون" التجليات" و تعلق أبي الراوي به وبضريحه وطغيان مفهوم الذنب لدى الكاتب والنزعة الشيعية الطاغية على فكره هي الحوافز التي دعت الراوي في كتاب" التجليات" لجمال الغيطاني الى استرجاع صورة الحسين الشهيد والى تصوير معركة كربلاء وما سبقها من أحداث وهي بعض من نكبة الراوي التي عاشها عند موت ابيه ورحيل عبدالناصر وتبدل حال مصر في السبعينات أيام حكم السادات وهو حدث شبيه بموت الحسين "سيد الشهداء " واستقرار الأمر ليزيد بن معاوية وفساد امر الإسلام بعد نكبة آل البيت " انثنيت أجوس داخل روحي نبهني حبيبي، أومأ برأسه الطاهر الذي جز من القفا يوما وتمتم بشفتيه اللتين لثمهما أشرف الخلق وعبث بهما يزيد بن معاوية (1) .
وينفتح تجلي الحسين باعتباره صورة أخرى من الأب و جمال عبد الناصر ( كما الحال بالنسبة الى الأب وعبد الناصر ) بلحظة الميلاد وبتنبؤ الرسول عند ميلاد الحسين بما سيصير إليه أمره بعد موته "وبكى الرسول فقلت" فداك أبي وأمي يا رسول الله مم بكاؤك" قال "أبكي لما سيصيبه بعدي " (2) .
وبذلك تتصل لحظة ميلاد الحسين يموته وبقائه حيا في قلوب شيعته ومنهم الراوي الذي يستوي منذ استهلال لحظة التجلي واحدا من أصفياء الحسين واتباعه .
لا تطلبوا المولى الحسين …بأرض شرق أو بغرب
ودعوا الجميع وعرجوا نحوي فمشهده بقلبي
ويستوي هذا التشيع كذلك نزعة مرتبطة بفكرة الشعور بالذنب هذه العقيدة الطاغية على "كتاب التجليات" بأسره والتي تكتسب وجودها من المرجعيات الدينية والسياسية والحضارية كما تعيد الى الذهن مسالة خلق الإنسان ومعصية آدم وارتباطها بمسالة العقاب والتوبة وبكائيات الشيعة ولطمياتهم في العاشر من محرم و تجذر كل ذلك في الوجدان الشيعي ولكنها تذكر أيضا بعلاقة العربي بالزمن وبالماضي خاصة " الماضي لكل ما فات وانقضى .
" يا رب لم نبك على زمان إلا بكينا على زمان "( 3 )
ولإحياء مفهوم الذنب هذا وتغذيته وانطلاقا من مفهوم الراوي للزمن وولوعه بربط النهايات بالبدايات وقوله بكروية العالم والكون وسيرورة الأشياء وتكونها وبارتداد الفروع على الأصول تعاد صياغة أحداث كربلاء من منطلق شيعي. فتأتي هذه الأحداث في شكل مقاطع متعاقبة ينفتح أولها ( على طريقة جمال الغيطاني في قلب الأحداث ) على النهاية التي أسفرت عنها المعركة. فيسافر الراوي الى المكان الذي قتل فيه الحسين لتتجلى له لحظة الجريمة ينبئ عنها فوران التراب في تلك البقعة " وصلت الى أنحاء شاسعة رأيت وجوها جمة .رأيت أيدي تقبض على حفنة من تراب كربلاء تحمله أينما اتجهت. رأيت اللحظات التي فار فيها تراب البقعة المشهودة مختلطا بلون الدم فأنبأ بما سيصير وما يجري لمولاي ودليلي .رأيت وجوها من جيشه قليل العد " (4) .
وانطلاقا من هذه النهاية المفجعة يعيد الراوي تركيب أحداث كربلاء في رؤى معاقبة سريعة. فيرى عبر تجلياته مقتل الحسن وحزن الحسين على أخيه الأكبر واستتباب الأمر لمعاوية الذي ضرب حصارا من المخبرين والشرطة والبصاصين ( الجواسيس) حول الحسين حال إقامته بالمدينة فتعود بعض صور من عالم " الزيني بركات " فيختلط العصر الأموي بالعصر المملوكي وبكل عصور القمع والاضطهاد والجوسسة الي يمتلئ بها الزمن العربي على امتداده .ويطنب الراوي في هذا السياق في وصف تأنق معاوية وإفراطه في البذخ وقد اجتمع حوله الأثرياء الجدد الذين نمت مصالحهم وتوطدت في ظل سياسة تغذية الأطماع وبذل الوعود وإفساد الضمائر واشتراء الذمم .فيتلون الخطاب هنا بنغمة أيديولوجية ذات منزع " يساري " يوحي في شيء من التبسيط بطبيعة الصراع الطبقي القائم في ذلك العصر بين "حزب الفقراء" الذي يقوده الحسين وهو حزب ينخرط في صفوفه رموز الصدق والخير والشهامة و"حزب الأغنياء" من الأثرياء الجدد المنتهكين لكل حرمة والمتألبين على آل البيت والمعتمدين في سياستهم على الدسيسة والقتل ، يقودهم معاوية رمز الخبث والشر والخيانة والغدر وعدم الوفاء للأصل .فهذا هو الحسين " هادئ الملامح أسيان المحيا لا يجاهر بعدائه لمعاوية لا ينقض العهد الذي أخذه على نفسه " وهذا هو معاوية " دخلت قصر معاوية في الشام ودهشت بل فزعت لمظاهر الغنى ، هذا الذهب وتلك الفضة ، الخز والديباج ، ثياب معاوية، تأنقه، عطره رأيت ذكاءه وخبثه وتلونه في المجلس الواحد مرات وقدرته الفائقة على إظهار خلاف ما يبطن " (5) .
وتتولى بعد ذلك بشكل خطي متقطع الحلقات الكبرى للوقائع السابقة على كربلاء فيرفض الحسين مبايعة يزيد بن معاوية بعد موت معاوية فيستعد يزيد للتخلص منه. وهنا تدخل قصة سفر مسلم بن عقيل (6) الى العراق بعد ان اتصلت الرسل بين الحسين وبين شيعة أهل البيت في الكوفة وهم أكثر أهلها .وينتهي هذا المشهد بوصول مسلم الى الكوفة بعد أن ارتبطت مراحل سفرته ببعض فترات من حياة أبي الراوي اليتيم المنهك الذي يترصد العم حركاته ( يؤطر رحيل داعية الحسين كامل هذه المرحلة من سيرة الأب ويعطيها دلالتها الدينية والأيديولوجية المتمثلة في المعاناة والجهاد ضد مظاهر الإقطاع التي يمثلها العم ) و يصل مسلم الى الكوفة ويختبئ في دار هانئ بن عروة ثم يقتل في مقطع آخر ويرتبط موته باستشهاد مصرع جندي مصري أيام حرب الاستنزاف وبملامح من وجه الاب وسيرته وهو يناضل من اجل أبنائه وينهك نفسه ليوفر حاجاتهم. ثم يرحل الحسين من مكة الى الكوفة ويتزامن رحيله مع رجوع عبد الناصر بعد موته وسجنه وهروبه من السجن وخروج الأب من قريته راحلا الى القاهرة فيتماهى الحسين مع الأب وعبد الناصر ..ففي قلوبهم كلهم حنو ورحمة ورأفة .فكل منهم يجاهد من اجل الآخرين فهم تعبير عن ثورة فيها صمت وطمأنينة ..فيها غربة ومعاناة " رأيت من وقعت عليه عيناي يوما وكل من اقتفى أثرهم بصري كنت أراهم كلهم في آن واحد معا فرضي قلبي وأقبل أملي " ( 7) .
ثم يتجلى الحسين في كربلاء بعد ان وصل إليها فيبدأ موقف الظمأ فيشارك الأب وعبد الناصر في الموقف و هما يمسكان أسلحة العصر لان الظمأ في زمن كربلاء يتحول الى ظمأ تاريخي لا ترويه إلا رؤية عهود اللقاء والغبطة والاجتماع ولكن هذه الرؤية اذا تحققت جعلت أحزان الراوي اشد وانكى لأنها تعيد الماضي حيا فتوحي بروعته وبانقضائه قبل الأوان "صار شوقي الى أحبابي دائما أبدا. صرت كشارب البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا وأضمرت النية أن اسأل فهذا امر جديد علي منذ ان بدأت رحلتي بصحبة مولاي فلم أدر بالضبط ماذا جنيت " ( .
وتبدا على اثر ذلك معركة كربلاء فيشارك الأب في المعركة فتتساند لذلك حلقات الماضي القريب والبعيد وترتبط بعضها ببعض في زمن عجائبي غريب يجمع جنبا الى جنب كل الأزمان الضائعة المبكي عليها ، المتحسر على فقدها " لم ادر ما افعل غير اني رأيت أبي يسعى باتجاه النهر – هذا خطوه الذي اعرفه – عدوت في اثره والرمال تتناثر عند عقبي " (9).
وتتوالى صورة المعركة فينطلق السهم الأول من عمر بن سعد بن أبي وقاص وهكذا يرمي الابن أول سهم لقتل أل البيت فيخون روح أبيه سعد بن أبي وقاص ذاك الذي رمى أول سهم في الإسلام. وفي كل ذلك تتوالى صورة اليتم الحضاري الذي مني به الوجدان العربي في تاريخ هزائمه الطويل وهو تاريخ يملؤه الحزن ويدل في كل لحطة على انقطاع دورة الزمن وبانقضاء الأوقات قبل تحقق الأماني وبالفوت فيصبح القول استرجاعا لما فات ويصبح التجلي معركة ضد النسيان وإحياء لصور الماضي . فالقلب اذا فارقه الحزن خرب وما موت الحسين هنا وما خذلان أصحابه إياه وانقلابهم عليه إلا بعض من هزائم الحاضر فكأن الحسين يهزم مرتين هزيمة في عصره وهزيمة ثانية في غير عصره عبر أحفاده الجبناء الخائنين الذين تخلوا عن عبد الناصر في حربه ضد السادات والبيت الأبيض والكنيست . فكربلاء غير سيناء ولكن لا شيء تغير لأنه بين دولة بني أمية وإسرائيل حبل سري: يمتد الطغيان ليقطع المسافة بين الذي كان والذي يكون . فليس للخيانة وقت وإنما هي صور متشابهة يحملها التاريخ لأنها بعض من الأوجاع العربية " ادركت الآن ان الأساليب لم تتبدل وان اختلفت الأزمان " (10) .
وحين تنتهي معركة كربلاء تنطلق ثورة التوابين الذين قاموا بعد مقتل الحسين يطالبون براس ابن زياد وبالثأر لدم الحسين" وعرفوا بتوابين لقعودهم عن نصرة الحسين حين جاءهم وقيامهم بطلب ثأره بعد مقتله (11) .
فهم لم ينسوا لابن زياد كل جرائم كربلاء وما سبقها وخاصة قتله هانئ بن عروة فيتزعم أبو الراوي وعبد الناصر هذه الحركة ويلتقيان برموزها سليمان بن صرد الخزاعي أمير الحركة ورفاعة بن شداد البجلي والمسيب بن نجيبة الفراري وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي .
ومن شأن هذا الارتباط الوظيفي بين هذه الأسماء من خلال اتصالها مرجعيا بحركة سياسية لا تقل أهمية عن حركة الخوارج ومواقفها بعد التحكيم ومقتل علي ان تثير فينا قضية تعامل الغيطاني مع الحدث السياسي والخبر التاريخي حين يجمع رموز القداسة كلها لتحارب الشر وتبذر الندم في نفوس الناس وحين يلجأ الى خلق الموقف المشابه لكربلاء الذي تعرضنا إليه والذي يقتل فيه عبدالناصر على شاكلة الحسين وهو ما يوحي بهذا المنظور العام للزمن الذي يسود في كامل كتاب التجليات (وفي الوجدان العربي عموما وليس لدى الشيعة فقط ) وهو منظور يستند في معظم الأحيان الى تصور يماثل بين الماضي والحاضر ويلغي الحدود بينهما بحثا عن تواصل ممكن بين حلقاتهما . وهو تصور يتضح أمره من خلال خلق عناصر تماه كثيرة بين الشخصيات التاريخية التي يحتويها الكتاب والتي تدخل كلها تقريبا في علاقات تقارب وتعاطف وتساند ( الحسين ، عبدالناصر ) او علاقات تضاد وتنافر ( يزيد والسادات من جهة ، الحسين وعبدالناصر من جهة أخرى ) وتبعا لذلك يتأسس منطق خطاب سياسي عقائدي موجه يفتقد عامة الى نظرة ارتقائية تطورية بل ينطوي على موقف ارتدادي فزيادة على أحلام المهدي المنتظر فان فترة الدعوة وما تلاها من حوادث الفتنة الكبرى عامة وقيم المسلمين الأوائل بالتحديد تظل مرجعا عاما ومثاليا ، وهو ما يجعل من حركة التاريخ والزمن حركة تنازلية ارتدادية .
فكأن الراوي (ومن ورائه الكاتب) يسعى الى جعل عبد الناصر والناصرية في علاقاتهما بالوعي والحس الشعبيين نظيرا لمذهب الشيعة من حيث تأصل بعض قيم هذا المذهب وتراثه في الكيان الشعبي سنة وشيعة .
الهوامش
1كتاب التجليات ص 68 ويعيد الراوي من خلال هذه الجملة بعضا من المقولات الشهيرة لدى الشيعة ومن ذلك أن الحسين لما أراد الخروج الى العراق قالت له امه سلمة يا بني لا تجزنني بخروجك قال لها الحسين " يا ماه اني مقتول لا محالة وليس من الأمر المحتوم بد ( الحافظ رجب البرنسي " مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين )
2 التجليات ص 73
3 التجليات ص 9
4 التجليات ص 12
5 التجليات ص 12
6 مسلم بن عقيل ( …60 هجريا) هو مسلم بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم تابعي من ذوي الراي والعلم والشجاعة كان مقيما بمكة وانتدبه الحسين ( السبط ) بن علي ليتعرف له حال أهل الكوفة حين وردت عليه كتبهم يدعونه فرحل مسلم الى الكوفة فاخذ من بيعة 19 الفا من أهلها وكتب للحسين بذلك فشعر به عبدالله بن زياد ( أمير الكوفة ) فطلبه فمنعه الناس ثم تفرقوا عنه فقبض عليه بن زيد وقتله ( الاعلام الجزء 8 ص 119 )
7 التجليات ص 129
8 التجليات ص 197
االتجليات ص 128 9
..9.التجليات ص … ..164
10"الكامل في التاريخ " لابن الأثير ص 185 – 188 ولا شك أن الغيطاني يستند في وصفه لحركة التوابين الى كتاب "10 الكامل " وهو امر يحتاج الى بحث خاصا.
11 التجليات ص 164
"الكامل في التاريخ " لابن الأثير ص 185 – 188 ولا شك أن الغيطاني يستند في وصفه لحركة التوابين الى كتاب " الكامل " وهو امر يحتاج الى بحث خاصا.
12 كان يوم عاشوراء قبل الاستقلال في تونس وحتى بعده بقليل يوم عطلة رسمية . وللتونسيين رغم أن مذهب البلاد الرسمي هو المذهب المالكي السني عادات خاصة مرتبطة بمقتل الحسين إذ تكحل النساء رمزيا عيونهن ( كان الكحل دواء على اثر كثرة البكاء ولا شك أن لذلك علاقة بالحزن على مقتل الحسين والبكاء عليه) و يقوم سكان تونس بزردة عاشوراء و يشترون طبلة علي و طبلة الحسين و بوك تمامو . ويشعل الأطفال النار و يطوفون و يغنون « فلوس القاز يا لولاد » و يحرقون قعود عاشورا للسنة الماضية. وقد اختفت اكثر هذه العادات في اكثر جهات البلاد غير أن البعض منها ظل راسخا في مدينة المهدية عاصمة الفاطميين الشيعة في إفريقية .