انتشر في الأيام الأخيرة خبر يفيد بأن المحامية والنائبة السابقة بالبرلمان التونسي قد تم توقيفها من قبل منظمة الشرطة الجنائية الدولية ( إنتربول) بناءً على “مذكرة جلب دولية” صادرة عن السلطات القضائية التونسية في إطار قضية "التآمر على أمن الدولة".
ليس قصدنا من هذا المقال تكذيب الخبر فبعض الكذب سفاهة لا تحتاج الى اكثر من احتقارها ممن له عقل ينظر به الى الوقائع والأحداث فلا تحركه شهوات الحقد و الشماتة . فقد سبقنا الى ذلك كثيرون ولو قد فعلنا ذلك لكنا نجتر ما قاله غيرنا بل القصد هو توضيح بعض المسائل التي جعلت البعض يصدقه أو على الأقل يعتريه الشك في صحته أو الخوف من أن يكون حقيقة واقعة . طبعا لا يعنينا من نشر الإشاعة و أن كنا نعلم ان القصد منها هو تشويه المعارضة ولكن ما نستغربه ان بعض المواقع " المحترمة " انخرطت في تصور المعركة القضائية الممكنة في حال صحة الخبر و هو ما يعني انها بدرجة او بأخرى قبلت بالإشاعة حتى لو كان ذلك على استحياء (وقع حذف المقال لاحقا عندما تبين انه عار من الصحة ربما لحديثها عن المعركة المحتملة التي تصورتها تقودها في ذلك سذاجة غير مفهومة ).
تواتر بطاقات الجلب الدولية منذ 25 جوليلة 2021
تواترت منذ 25 جويلية 2021 بطاقات الجلب الدولية في حق معارضين تونسيين يقيمون في الخارج فقد اعلن ، مكتب الاتصال بالمحكمة الابتدائية بتونس، يوم 4 نوفمبر 2021 أن قاضي التحقيق المتعهد بملف رئيس الجمهورية الأسبق محمد المنصف المرزوقي، قد تولى إصدار بطاقة جلب دولية في شأنه. وكان المرزوقي، ، عبّر في تدخّل تلفزي يوم 12 أكتوبر 2021 على قناة "فرانس 24 " عن مشاعر فخره على إثر قرار المجلس الدائم للفرنكوفونية، المنعقد قبل ذلك، والذي أوصى بتأجيل عقد القمة الفرنكوفونية بعام، بعد أن كان من المزمع تنظيمها في تونس يومي 20 و21 نوفمبر 2021 بجزيرة جربة. وإثر هذه التصريحات، طلب رئيس الدولة، قيس سعيّد، لدى إشرافه يوم 14 أكتوبر 2021، على أول اجتماع لمجلس الوزراء، من وزيرة العدل، بأن "تفتح تحقيقا قضائيا في حق" من يتآمرون على تونس في الخارج"، مشددا على أنه "لن يقبل بأن توضع سيادة تونس على طاولة المفاوضات، فالسيادة للشعب وحده". وأضاف سعيد خلال ذلك الاجتماع: "إن من يتآمر على تونس في الخارج، يجب أن توجه له تهمة التآمر على أمن الدولة في الداخل والخارج" وهو الكلام الذي اعتبره البعض موجها ضد المرزوقي و تدخلا صريحا من قبل السلطة التنفيذية في عمل القضاء .
وفي تاريخ قريب من تاريخ إصدار البطاقة الصادرة في حق المرزوقي أصدر قاضي التحقيق الأوّل بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب المتعهّد بالبحث في قضيتي "تكوين وفاق إرهابي" و"التآمر على أمن الدولة"، بطاقات جلب دولية في حقّ 12 شخصا، من المظنون فيهم والمحالين بحالة فرار، والذين ثبت تواجدهم خارج التراب التونسي، و من بينهم مسؤولون سابقون رفيعو المستوى، وفق ما أفادت به الناطقة الرسمية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب والمساعدة الأولى لوكيل الجمهورية لديه، حنان قداس في تصريح إعلامي، يوم 12 سبتمبر 2023 .
والأشخاص المشمولون بالقرار وليس من بينهم بشرى بلحاج حميدة هم :
• يوسف الشاهد رئيس الحكومة الأسبق .
• نادية عكاشة: مديرة الديوان الرئاسي للرئيس قيس سعيد سابقاً.
• لطفي زيتون: وزير أسبق وقيادي سابق بحركة النهضة.
• معاذ الخريجي (الغنوشي): نجل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.
• كمال القيزاني: مدير عام سابق للأمن الوطني.
• ماهر زيد: إعلامي ونائب سابق بمجلس نواب الشعب.
• مصطفى خذر: متهم رئيسي في ملف الجهاز السري.
• عبد القادر فرحات
• عادل الدعداع
• شهر الدين ميساوي
• رفيق يحيى
• أنيس المبروك
وفي خبر أخير طالب المحامي محمد ناصر العويني في الندوة التي عقدتها هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في" دار المحامي" يوم 11 جوان 2026 اثر صدور الأحكام القضائية في ملف ما يعرف بملف "الجهاز السري " استجلاب كل الفارين الى الخارج المحكومين في هذه القضية حاثا الدولة التونسية على القيام بواجبها في هذا الشأن وذلك بان تطلب من الدول التي فر اليها المحكومون تسليمهم للسلط التونسية إذ المطلوب في نظره ليس صدور الحكم بل تنفيذ العقوبة مع العلم أن المحامي المذكور صرح في ذات الندوة أن الهيئة ليست مخولة للحكم على وضعية القضاء التونسي ( هكذا ! ) في حين أن هيئة المحامين وهو منهم ستشن يوم 18 جوان القادم إضرابا عاما للتنديد بوضعية القضاء التونسي في ظل هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء وفي ظل غياب المجلس الأعلى للقضاء وتواتر مذكرات العمل التي جعلت من القضاة فريسة الخوف سواء من النقلة لسبب أو لآخر أو حتى الإيقاف عن العمل ( انظر مقال الأستاذ المحامي طارق العبيدي في الغرض ).
ولان غايتنا كما بينا ليست تكذيب الكذب ولكن التوقي من تصديقه سواء كان هذا التصديق ناتجا عن رغبة في تشويه الخصوم السياسيين خاصة أولئك الذي غادروا البلاد خوفا من بطش النظام بهم واتهامهم بالتآمر أو غير ذلك من التهم الجاهزة او كان هذا التصديق عن حسن نية ولقلة المعرفة ببعض المسائل القانونية والسياسية التي سنذكرها هنا في عرض مبسط وتتعلق ببطاقة الجلب الدولية وبكيفية اشتغال البوليس الدولي ( الانتربول ) . فما هي بطاقة الجلب الدولية التي عاد الحديث عنها كذبا في صلة ببشرى بلحاج حميدة رغم وضعيتها القانونية التي منحتها إياها منزلتها كلاجئة سياسية في فرنسا ؟
ما هي بطاقة الجلب ؟
ينص الفصل 68 من مجلة الإجراءات الجزائية على أنه إذا كان ذو الشبهة بحالة سراح يستدعى ( من قبل قاضي التحقيق ) كتابة لاستنطاقه. والاستدعاء يتم بالطريقة الإدارية أو بواسطة العدل المنفذ وهو يحتوي على ما يلي:
أولا : اسم ذي الشبهة ولقبه وحرفته وعنوانه.
ثانيا : مكان الحضور وتاريخه وساعته.
ثالثا : نوع التهمة.
وينص الفصل 78 من المجلة على أنه إذا لم يحضر ذو الشبهة جاز لحاكم التحقيق أن يصدر ضده بطاقة جلب. وهذه البطاقة تكون مؤرخة وممضاة ومختومة ويذكر فيها ما يميز ذا الشبهة أتم تمييز، مع بيان موضوع التهمة والنصوص القانونية التي تنطبق عليها كما يضّمن بها الإذن لكل عون من أعوان القوة العامة بإلقاء القبض عليه وجلبه أمام حاكم التحقيق.
وإذا لم يتيسر العثور على ذي الشبهة تعرض بطاقة الجلب على محرك أو شيخ مكان إقامته ليضع عليها علامة اطلاعه .
أما اذا كانت بطاقة الجلب دولية ( في حال وجود ذي الشبهة في الخارج ) فيصدر عن السلطة في الدولة المعنية ما يسمى بالنشرة الحمراء الى الانتربول ( منظمة الشرطة الجنائية الدولية ) . و بواسطة هذه البطاقة يصبح الشخص المطلوب جلبه من بلد إقامته ملاحقا من قبل البوليس الدولي، وهو ما يعني وبموجب هذه البطاقة أنه صار محل "بحث ومطاردة وتحديد مكان إقامة وطلب إيقاف بموجب صدور بطاقة جلب وإيقاف من قبل السلطات في البلد المعني.
وإذا ما أدرج شخص بقائمة المطلوبين دوليا فانه نظريا لا يستطيع السفر أو الظهور في الأماكن العامة، أو المشاركة في أنشطة علنية تحت طائلة القبض عليه، وترحيله فوراً، غير أن ذلك يتوقف بالضرورة على موقف السلطات في كل دولة ..فالشرطة الدولية لا تنفذ البطاقة في حال صدروها بواسطة أعوان لها وبشكل مباشر .
غير انه من الجدير بالتذكير وبشكل خاص ان الشرطة الدولية لا تُصدر البطاقات الحمراء حسب قوانينها الداخلية بشكل إداري هكذا دون التثبت في تفاصيلها و دون قيود ، لأنها تشترط ، الالتزام التام بميثاق عمل المنظمة وخاصة المادة الثالثة منه التي تمنع منعاً باتاً على أعضائها طلب إصدار البطاقات الدولية للمطالبة بالقبض على شخص أو جلبه بسبب نشاطه السياسي أو رأيه ، وهو ما يعني أن المنظمة لا تتدخل أبدا في القضايا ذات الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العرقي وحتى اذا كانت التهمة متعلقة بالإرهاب وهي من اخطر الجرائم على الأمن الداخلي والخارجي فإنها من الصعب أن ينظر يوليها البوليس الدولي اهتماما كبير اذا صدرت عن بلد لا يتمتع فيه القضاء بالاستقلالية طبق النواميس الدولية وخاصة اذا الحكم في شانها مسيسا كما تؤكد ذلك المعرضة وخاصة المنظمات الدولية ذات الصلة .
بطاقة الجلب الدولية التي يهملها البوليس الدولي
ومن الواضح آن شبهتي" التآمر على أمن الدولة" الأولى والثانية أو الإرهاب " ثم قضية الجهاز السري" شملت في تونس منذ 25 جويلية 2021 كثيرا من المعارضين السياسيين والوزراء القدامي واحيانا بتدخل وتحريض مباشر من السلطة التنفيذية . سواء منهم الموقوفون في السجون التونسية أو المقيمون في الخارج ولوحق أيضا صحافيون وقضاة وغيرهم في سلسلة تطول كل يوم أكثر فأكثر يغذّيها خطاب سياسي يجعل من تهمة الخيانة طعاما يوميا يقتات عليه التونسيون ويستهلكه البعض منهم بنهم شديد كرها لحقبة وقعت شيطنتها حقا وباطلا واضحي أكثر فاعليها متهمين إلى أن تثبت براءتهم وقد لا تثبت أبدا . و ليست هذه القضايا في مجملها غير قضايا سياسية "ملفقة " بحسب ما تؤكده هيئات الدفاع عن المتهمين سواء المحكومين في قضية " التآمر " او في قضية " الجهاز السري" وهو موقف المنظمات الإنسانية المحلية والدولية أيضا وتضفى الشكوك الجدية التي تحوم حول كل القضايا المرتبطة بتهمتي التآمر والإرهاب طابعا " انتقاميا " وهي قضايا تثير كثيرا من الانتقادات داخليا وخارجيا حول صلتها بما يحدث في تونس منذ 25 جويلية 2021 ومع استتبعه الحدث من ملاحقة العشرات من الشخصيات العامة .
ونظرا إلى الارتباط الظاهر بين صدور بطاقات الجلب والظروف السياسية التي تعيشها البلاد مع تكييف التهمة باعتبارها من قبيل" التآمر" خاصة وهي تهمة في غاية الخطورة يمكن أن يحكم فيها بالإعدام ، فإن هذه البطاقات تضع محليا ودوليا محل تساؤل استقلالية القرار القضائي في تونس ونتيجة لذلك فانه من شبه المستحيل أن تستجيب الإنتربول أو الدول الأعضاء في المنظمة الى الطلب التونسي مما يجعل البطاقة مجرد حركة سياسية للاستهلاك المحلي أكثر من أي غرض أخر .غير انه استهلاك له تبعات مدمرة على سمعة القضاء التونسي دوليا . .
فعلا وللتذكير فقد رفض القضاء اليوناني تسليم سليم الرياحي الى السلطات التونسية بعد ان صدر في حقه في ديسمبر 2019 ، حكم غيابي بالسجن لمدة 11 عاما مع النفاذ العاجل، في قضايا غسيل أموال ( بعد خلاف معروف بينه وبين يوسف الشاهد رئيس الحكومة في ذلك الوقت والذي صار هو نفسه بعد ذلك ملاحقا من قبل القضاء التونسي في قضية تآمر على امن الدولة كما ذكرنا ) وفق ما أكده الرياحي نفسه في تدوينة نشرها على صفحته الرسمية في 14 أكتوبر 2021، كما رفض القضاء الإماراتي هو أيضا تسليم الرياحي الى السلطات التونسية .
فقد كتب الطيب بالصادق محامي الرياحي على صفحته في موقع فيسبوك في 29 أوت 2022 تحت عنوان “انتصار مزدوج وساحق”: “الإنتربول الدولي يشطب بطاقات الجلب الدولية من منظومته، والقضاء الإماراتي يقضي ببراءة المنوب(سليم الرياحي) وعدم تسليمه الى تونس " .
وتابع بالقول “سليم الرياحي برّأته اليونان واليوم الإمارات وأنصفه الإنتربول الدولي" . كما يجدر التذكير أيضا بان الإنتربول رفض تنفيذ بطاقة الجلب التي صدرت ضد الرئيس الأسبق محمد منصف المرزوقي. فقد أكد المرزوقي يوم 9 مارس 2022 في تدوينة على صفحته الرسمية في الفيسبوك ، أن الإنتربول أعلمه ( ربما بطلب منه ) بأنه ليس موضوع أي إشعار أو نشر من قبل الإنتربول ..
وأضاف " بأن هذا يعني أن بطاقة الجلب الدولية التي تم الإعلان عن إصدارها من طرف قاض بتعليمات من وزيرة العدل ..لم يتم أخذها بعين الاعتبار". بحسب ما جاء على لسان المرزوقي" .
إنه من الغريب حقا أن يصدر قاض تونسي مثل هذه البطاقات! .فمن المفروض أن يكون على علم بكل المعطيات القانونية المذكورة وهكذا سيكون ضرر هذه البطاقات اكثر من نفعها لما لها من مساس بسمعة قضائنا المتهم داخليا بعدم الاستقلالية من قبل المعارضة وحتى من قبل القضاة أنفسهم من خلال كل البيانات الأخيرة الصادرة عن جمعية القضاة التونسيين ذات النفس الاستقلالي وخارجيا من قبل الدوائر الحقوقية والإعلامية ذات التأثير الواسع في صناع القرار سواء في الغرب أو خارجه بعدم الاستقلالية والتبعية التامة للسلطة السياسية وتنفيذ أوامرها. كما انه من الغريب أن يصدق مواطن تونسي عن حسن نية أو لغرض سيئ أن هناك إمكانية لصدور بطاقات جلب دولية في حق سياسيين مهاجرين أكثرهم يتمتعون بوضعية قانونية تمنحها لهم صفتهم كلاجئين سياسيين في ظل قضاء لم يعد خافيا على الخاصة أو العامة منزلته ضمن متطلبات الاستقلالية طبق النواميس الدولية .