تاكر كارلسون يدعم الديمقراطي، عبد الرحمن السيد…

بدا الأمر مباغتا لكل التوقعات، تاكر كارلسون يدعم الديمقراطي، عبد الرحمن السيد، في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان !!

يدعمه ويصف منافسه الجمهوري "مايك روجرز" بانه غير مؤهل للمنصب، فعل ذلك في ذروة مواجهة "السيد" لماكينات التشوية المتصهينة والتي استغلت فيه تصريحا له، اكد فيه رفضه للحروب التي خاضتها أمريكا بدعوى محاربة الإرهاب والتي كان يقصد فيها بالأساس، الحرب على العراق.

تاكر الذي كان منذ سنوات قليلا، يمينيا الى حد التطرّف، جمهوريا الى حدّ النخاع، ترامبيا الى حد الصداقة الحميمة، يترك كل قناعاته القديمة ويدعم عبد الرحمن السيد، الرجل القادم من بعيد بكل اختلافاته و من يسار الحزب الديمقراطي ليصبح أول سيناتور مسلم في الكونغرس الأمريكي.

كارلسون الذي مثّل أحد ابرز عناوين حركة "أمريكا أولا" يمكن دراسته اليوم كنموذج للتحول الذهني الكبير الذي تعيشه النخب الأمريكية خاصة نخب اليسار والوسط الاجتماعي و حتى المدافعين عن القومية الأمريكية.. وكان السابع من أكتوبر هو نقطة الارتكاز في هذا التحول.

عندما غادر كارلسون الإمبراطورية الإعلامية للملياردير اليهودي "روبرت مردوخ" توقع الأغلبية أن يتوه إعلاميا، ويفقد كل نجاحاته السابقة مع "فوكس نيوز"خاصة بوجود هجمة شرسة من "اللوبي" لسدّ كل المنافذ أمامه..

لكن تاكر الذي جرّب لسنوات طويلة كيف تشتغل الماكينات الإعلامية وكيف تزيّف الحقائق والوعي اختار أن يفعل الأصعب.. أن يواجه التضليل.. وعندما نتحدث عن التضليل في الولايات المتحدة الأمريكية، نتحدث عن شبكات إعلام ضخمة تملك المال والميدان وقادرة على تغيير مسارات في التاريخ ومصائر الشعوب والأمم حرفيا !!

راهن تاكر كارلسون على كل صيته وجازف ببودكاست سياسي طويل، لا يصنع الإثارة بل يواجهها بهدوء.. ومنذ الحلقات الأولى نجح في لفت انتباه الجمهور.. ليتحول بودكاست The Tucker Carlson Show الى مصدر موثوق تنقل عنه كبرى المؤسسات الإعلامية في العالم.

في هذا البودكاست كان جزء من المهام التي أوكلها تاكر لنفسه هو نسف الأكاذيب و سرديات الكيان المجرم، الذي نزع عنه كارلسون بحواراته الجريئة الحصانة التي كان يحظى بها في المجتمع الأمريكي وهو اليوم يسعى لينزع ما بقي من تعاطف أمريكي حول أكاذيبه التي لا تنتهي.

أول امس كان ضيفه المؤرّخ والأكاديمي الشهير "نورمان فينكلشتاين".. وفينكلشتاين ليس اسما تقوله وتمرّ بل هو تاريخ من الأفكار الشجاعة التي تقول دائما قصة مختلفة عمّا هو متداول..

"نورمان" اليهودي المثير للجدل الذي لم يتوقف عن محاربة أكاذيب الكيان منذ الهولوكوست رغم أن والداها كان ناجيان من المحرقة..

في اللقاء الأخيرة تحدث "فينكلشتاين" عن اكبر فبركة إعلامية في التاريخ استخدمت لشيطنة المقاومة وتبرير الإبادة و عن عجز 10 آلاف مادة رقمية 1800 ساعة توثيق صنعتها آلة الدعاية الإسرائيلية عن إدانة من قاوم وإثبات ممارسته للعنف الجنسي خاصة يوم السابع والعبور الى الأرض المحتلة خارج معتقل غزة.

كان المؤرخ اليهودي وفيا لأفكاره التي دافع عنها طوال حياته.. لا تنتظر من الضحية التي نكّلت بها لعقود أن تصمت دائما عن الظلم ولا ترد الفعل..

في ذروة الذل العربي وهرولة المطبعين لإدانة المقاومة بما في ذلك سلطة عباس، وقف فينكلشتاين ليقول بحسم :

لن ادين حماس !!!!

حركة المقاومة التي أدانها الإخوة والعربان والدول الورقية والحكام المطبعين رفض مؤرّخ يهودي أن يدينها، لم يفعل ذلك تعاطفا، بل من باب إنصاف الضحية وكتابة التاريخ بشكل صحيح ولائق بالإنسان، وليس وفق عدالة المنتصر وأكاذيبه.

في الحقيقة مواقف مؤلف كتاب "صناعة الهولوكوست" ليست جديدة ولا ولدت مع الحرب، فهو لطالما دافع عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة من احتل أرضه وطالما فنّد الأكاذيب التاريخية والحضارية و فضح أساليب التلاعب بالذاكرة التي مارسها الكيان المجرم على مرّ وجوده..

فينكلشتاين كان يقول دائما ما يجبن عن قوله اشدّ المتحمسين العرب للقضية كما هاجم دائما الوعي الجمعي الإسرائيلي المستكين للأكاذيب. ولعل من أبشع الحقائق التي قالها قوله : "إنهم يقتلون الأطفال كنوع من الهواية".

أثر فينكلشتاين في المجتمع الأمريكي وخاصة في أوساط النخب اليسارية يمكن تشبيهه بأثر الفراشة، ذلك الأثر الذي كلفه سنوات من النبذ الاكاديمي والمحاصرة وتضييق المساحات حوله ولكن اليوم ومع كشف المجرم عن إجرامه في حرب الإبادة عاد الجميع ليتذكر مواقف و يراجع أفكاره على ضوء ذلك..

وربما تاكر كارلسون بدوره يحتاج الى سنوات أخرى لينصف ضحايا القرار الأمريكي وصنّاعه خارج الأراضي الأمريكية! .

في النهاية التغيير في الأذهان لا يحدث فجأة بل يحتاج الكثير من الثبات واليقين والقوة.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات