كان ثمه حسّ في البلاد عوض هذا الصمت الكئيب..

ربما كانت جريمتهم الوحيدة بعض أولئك الذين يقبعون في الزنازين، أنهم كانوا الأكثر شجاعة في حبّ هذا الوطن.. أكثر منّا جميعا، أحبّوه بعمق ودون حسابات واندفعوا بكل ذرّة في كيانهم لحمايته بالكلمة عندما اختلّ توازنه، لم يساوموا في مواقفهم ولم يجلسوا هانئين على الربوة يراقبون من بعيد وكأن لا شيء مما يحدث.، يعنيهم كمواطنين ! ولم يهادنوا في آرائهم ولم يتراجعوا أمام فرض قانون الصمت !

ربما اعتقدوا أن ذلك الوطن يبادلهم ذات الحب ولن يخذلهم أو يفرّط فيهم و نسوا أن الأوطان في أزمنة الاستبداد أول من تخذل، تخذل من يستميت في الدفاع عنها!

عندي ايامات وانا نتذكّر فيكم لكل.. نتذكّر في ملامحكم .. نتذكر في عركاتكم وكم كانت كثيرة وكم كانت مزعجة ولكن ربما نفتقدها اليوم.. نتذكر في لطف بعضكم وشراسة البعض الآخر.. نتذكر في الجماعة الهادئين وفي الجماعة العاصفين كإعصار متحفّز.. نتفكّر من كان ذكيا في تعامله مع الاعلام ومن كان صداميا.. نتذكّر في مواقفكم وفي مواقف صارتلي معاكم وانا اللي مهنتي فرضت اني نعرفكم لكل، نعرفكم خلف الأضواء وبعيد عن الحدث أحيانا..

نتذكّر في حكايات صارت وكانت تنجم في اطار استغلال النفوذ متاعكم تقضي على مستقبلي المهني بسبب نقد لاذع وجهته أو ملف كشفت تفاصيله ولكن لم يفعل أي من أصحاب النفوذ السياسي وقتها ذلك ..

لم يكن دوري أن أتقاطع مع أفكاركم أو أن اتبنى قناعاتكم.. بالعكس كان دوري أن انقد تلك الأفكار بشكل متواصل، لمن حكم ولمن عارض.. أن ابحث عن الثغرات في الأداء وأصدح بها..

ذاتيا و في الأغلب لم تكن تعجبني اغلب أفكاركم ولا قناعاتكم بل كان بعضها يثير حنقي وسخطي ولكن حاولت أن أكون دائما موضوعية في عملي وفي مقالاتي الصحافية .. ربما تحاملت في بعض المناسبات وها أنا اعترف.. ولكن أبدا لم اخن ضميري فيكم ..!!! و أنا اليوم اشعر بالكثير من الامتنان لكم ولوجودكم على اختلافكم.. كان ثمه حسّ في البلاد عوض هذا الصمت الكئيب..

كانت ديمقراطية مبلبزة.. وداخل بعضها.. هبلتنا.. أما ليوم كيف تشوف هذا الفراغ المتمدّد وحالة الجمود التي تهيمن على المشهد.. تقول الحمد الله عشت تلك الأيام.. كنت صحافية ننقد ونحاجح ونحاور في كل السياسيين دون رعب.. ننشر في أخبار خطيرة وما نخافش يسيبو الفاعل و نمشي أنا نبحث.. أحيانا كانت هناك مضايقات بسيطة في اطار سياسة الشدّ والجذب المعتادة بين عالم الصحافة وعالم السياسية.. ولكن أبدا لم تصل إلى الترهيب والترويع كما اليوم !!

يمكن موش باش نعيشها في حياتي مرة أخرى الفترة هذيكا أما يكفيني اني عشتها.. بعضهم حاول إنقاذها تلك الديمقراطية المتعثّرة وكان الأمر يحتاج فقط مزيدا من الوقت لتنضج وتستقر.. فالديمقراطية تنضج بالتجارب و عقد من الزمن لا يعني شيئا في مسار ديمقراطي ..

المفروض وما اعتدت فعله طوال سنوات عملي أن اترك مسافة عاطفية دائما.. أن لا تكون هناك أي مشاعر مهما كان نوعها مع مواضيع العمل وانتم كنتم مواضيع عمل.. لا حبّ ولا كره.. ولكن وانا اليوم أرى بعضكم في السجن من أجل موقف أو رأي أو كلمة أو أجبر على المغادرة حتى لا ينتهي في السجن .. يعتصر الألم قلبي.. ولم تعد مشاعري محايدة!!

اختلفتم بشراسة مخيفة ولكن لم يدس أي واحد فيكم على القانون، حتى وان حدثت خروقات كانت دائما هناك أصوات مرتفعة تنقد وتفضح وتجبر من قام بها على المراجعة .. لم يفكّر وقتها "الخصماء" في الانتقام الشخصي بل كانت السلطة دائما هي الرهان.. وهذه هي السياسة.. بل حتى من سعى للنيل من خصمه كان يحاول أن يفعل ذلك بالآليات القانونية المتاحة دون تعسّف على العدالة ودون توظيفها لغرض في نفسه ..

فيكم من لم يكن سياسيا أو متحزّبا ولكنه كان جزء من المشهد السياسي أو هكذا فرضت عليه مهنته.. والسياسة نوع من الإدمان لمن يمارسها أو لمن يهتم بها.. تسحبك دائما الى الحدث ولا تتركك وشأنك أبدا.. مهما ابتعدت ستعود وتجد نفسك مهتما ومتابعا بشغف كبير.. وفي عشرية الانتقال الديمقراطي كنّا جميعا نكتشف ذلك العالم المبهر حتى في تفاصيله السيئة جدا.. اكتشفناه واقعا وعشناه.. تلك الأفكار التي كنّا نقرأ عنها في الكتب رأيناها تتصادم بحدة في الواقع وكان الأمر مثيرا للاهتمام ويترك بداخلك دائما مكان لسؤال ما..

صحيح لم نكن في المدينة الفاضلة.. كنّا فقط في تجربة ككل التجارب لها مساوئها وهي كثيرة وكنّا نحتاج إصلاحها وليس اجتثاثها! أما اليوم فأنت مُجبر على ابتلاع كل الأسئلة و الاختناق بالكلمات !

يوميا يُقاد أصحاب الموقف والرأي أمام أعيننا الي السجن ولا تجد الحيلة ولا الوسيلة لإنقاذهم من تلك الزنازين الباردة... ما تشعر به في عمقك ويأكلك من الداخل هو أنك تريد أن تصرخ بأعلى صوتك :ألم تكتفوا من تعذيبهم!

من آمنوا مثلكم بأهمية الديمقراطية والحرية حاولوا بكل جهد أن يحطّموا أقفال زنازينكم .. أن يمنحوكم حرية تليق بكم وتليقون بها.. حاولوا بجهد ودون يأس.. هم لم يفشلوا.. ولكنهم فقط لم ينجحوا بعد !

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات