نعم وقطعا " لدينا أقوال أخرى" في محمد كريشان!

فنحن من يعرف "التفاصيل" التي لا يدركها من يحمل أسفارا !

اذا كنت صحافيا عربيا تمارس مهنة الصحافة بعيدا عن الشعوذة وقرع الطناجر و دور ساعي البريد و لك من الثقافة والمعرفة ما يؤهلك في الحدّ الأدنى لتكتب مقالا صحافيا حقيقيا دون ان تفتح" تاء المعاناة" ، فستكون المسيرة المهنية للصحفي التونسي محمد كريشان بقناة الجزيرة، حلما من أحلامك..

ولكنه سيكون حلما صعبا لأن في الاعلام العربي الموتور والمنكوب.. فمن الصعب أن تعيش كل تلك التجارب المهنية وأن تجلس أمام كل تلك الشخصيات السياسية لتحاورها بذلك العمق والهدوء و الحرفية!!

قادة دول وشخصيات إشكالية ولحظات تاريخية عاشها محمد كريشان على الهواء مباشرة.. يكاد لا يكون هناك سياسيا أو قائدا فرضت حضوره أحداث معينة لم يجلس ليحاوره كريشان..

تخيّل أن تكون صحافيا وتجد الفرصة لتحاور كل تلك الشخصيات.. أو تسترجع مع حسنين هيكل ذكريات مسيرته الاستثنائية في عالم الصحافة..

كانت بدايته مع "الرأي" التجربة المدهشة لصحافة الرأي في تونس التي تشكّل معاها وعي مدني مقاوم للاستبداد و لرثاثة الفكرة السياسية عندما يجلس الحاكم على ظهر الشعب لا كرسي الحكم..

وبعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس، انطلقت مسيرة استثنائية لصحفي تونس مغامر لم يتوقف أبدا منذ ذلك الوقت على معايشة كل الأحداث الكبرى في الوطن العربي منذ الثمانينات.. عايشها من المسافة صفر وهي طازجة..

وكان دائما صاحب السبق في نقل الخبر..

لو تحدّثنا على إعلام تونسي جدير بالإشادة والدرس والاحترام سيكون برنامجه "أحداث عربية" بداية التسعينات وإبان الاجتياح الأمريكي الأول للعراق على أمواج الإذاعة التونسية أحد مراجع ذلك الاعلام..

محمد كريشان الذي دخل الجزيرة وهو نجم يجرّ خلفه تجارب وخبرة استطاع أن يحافظ الى اليوم وبعد كل السنوات على نجوميته وحضوره اللافت، وقلما أن ينجح مذيعا في ذلك.. لكن كريشان نجح لأنه كان صحافيا بالأساس وليس مجرد واجهة إخبارية..

تابعته في حرب غزة وكنت أراه على الشاشة وهو يصارع مشاعره في بعض المواقف ليبقى موضوعيا في تناول الحدث.. كنت أرى بوضوح تلك المسحة العميقة من الألم وهي تعبر ملامحه حزنا على شعب أبيد دون رحمة..

وتذكرت تغطيته لحرب العراق بتلك الملامح التي نال منها الإرهاق..

تذكرت دموعه يوم سقوط بغداد و عارنا الأبدي !!

ومن ينسى تلك اللحظة من القهر والعجز والهوان العربي..

ربما لم ادرك محمد كريشان في النصف الأول من مسيرته ولكن أنا من الجيل الذي ألهمه محمد كريشان، كما ألهمنا الحبيب الغريبي و نحن ونكتشف العالم من وجهة نظر صحفية في "جواز سفر" و ألهمنا غيرهم من تلك الأقلام التونسية العظيمة التي بدأت في الانقراض وحلّ محلّها الكثير من الابتذال والفقر المعرفي والمهني ..

ذلك الجيل المهاجر الذي اخبر العالم بأن مهنة الصحافة كانت سخية جدا في تونس فأنجبت جيلا من الكبار من الذين نفتخر بهم على المستوى العربي!

لم ألتق يوما بمحمد كريشان ولم نتواصل إلا مرتين أو ثلاثة افتراضيا، ولكن لم انس أبدا كيف اتصل بي ليدعمني بعد شكاية ذلك الوزير ! اكتشفت في تلك المكالمة رجلا في غاية اللطف والتواضع.. وهي صفات أصيلة فيه يجمع عليها كل من عرفها عن قرب.

واليوم أنا أرثي لحال من حاول النيل منه بتلك الطريقة السخيفة والمبتذلة.. أرثي لجهل البعض وعجزهم استيعاب تجارب الأشخاص الاستثنائيين وجهلهم بالتاريخ..

محمد كريشان له خياراته وأفكاره وتقديره لبعض الأمور وليس بالضرورة تعجبني أو تعجبك ولكن الوعي في أن تنقد من تختلف معه لا أن تحاول إهانته..

التاريخ يا صديقي.. التاريخ!

التاريخ الذي يؤثث بالتفاصيل و التجارب والمواقف وليس بالتمرّغ على الإسفلت... ذلك التاريخ يمكن أن تحاول تحريفه أو طمسه ولكن أبدا لن تستطيع الغائه!

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات