ويبكي اليمن أمجاده الضائعة!

عندما كان اليمن يغيّر العالم ومسارات البشرية ويصنع التاريخ بحضاراته وملوكه وتقدّمه في مجالات مختلفة، كانت البداوة ضاربة في الجوار..

قبائل هائمة في الصحراء تتقاتل وتتناحر فيما بينها وتسطو على قوافل التجارة.. تعلو هُبل و لا تُسأل عن ذنب الموؤدة اذا قتلت.. عندما كانت بلقيس تُكتب فصلا جديدا في تاريخ البشرية كانت النساء في الجوار يُبعن في سوق النخاسة.. حتى الله ارسل علاماته الى اليمن قبل ميلاد المسيح!

اليوم يمكر التاريخ بعد أن انفجر بئر نفط تحت خيمة ذات لعنة.. تُباع النخوة بسيارتي "رولز رويس" و ال"بوغاتي شيرون" ويعود من لا تاريخ له لينتقم من التاريخ.. متلازمة أبدية وعقدة تاريخية دمّرت نصف حضارات وشعوب العالم ! فيسحق كل ذلك الجمال اليمني الخام والأصيل تحت عجرفة أبناء العمومة ويسيل لعاب الضباع و يستلّ بعض الأبناء خناجرهم خدمة للأعداء..

كان اليمن ينشد الحرية في بدء المحنة، مثله مثل كل الشعوب العربية التي خنقتها الدكتوريات وحجب الطاغية الشمس عنها بظلّه الطويل ! ولكن لحظة الحرية تلك تحوّلت الى تراجيديا متواصلة في الزمن الى الآن.. وفي تلك التراجيديا تتناحر المذاهب والطوائف والأفكار و الأعداء ويبكي اليمن أمجاده الضائعة!

هم يريدونها تلك البلاد.. بانحراف العقيدة وفتنة القرون وذنب الحسين المظلوم ولؤم من حكّم الكتاب على أسنة الرماح يريدونها.. واليوم حتى بأكاذيب التلمود وهرطقة الحخامات يريدونها..

هم يعلمون كم هي جميلة تلك البلاد وكم هي فريدة في تفاصيلها وهم يريدونها.. بأي ثمن يريدونها.. فمن لا يريد صنعاء تلك المدينة التي تبدو وكأنها لوحة سقطت سهوا من التاريخ قبل أن يغادر بأمجاده.. وهل يوجد مكان يشبه صنعاء في فنّ العمارة.. هل يمكن للفكر الهندسي والمعماري اليوم أن يعيد صياغة ذلك الجمال بذات الإتقان..

صنعاء وان طال السفر، هكذا قال الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، لكن صنعاء لم يعد يرغب فيها المشتاق فقط، بل الغزاة يريدونها... كما يريدون كل شبر في اليمن.

يريدون "تعز" التي ترقد في حضن جبل "صَبِر" على ارتفاع ثلاثة آلاف متر من على سطح البحر..حتى تلك الجزيرة الغريبة والعجيبة التي تبدو وكأنها لا تنتمي الى هذا الكوكب أصلا يريدونها.. جزيرة "سُقطرى" حيث تنبت اغرب شجرة في العالم، شجرة "دم الأخوين" التي تشبه المظلة.. وفي اسفل تلك الشجرة ما زال دمّ الإخوة يسيل ويشوّه وجه التاريخ!

كل مكان في اليمن فريد وغريب وساحر وملهم.. في حضر موت التي يتقاتلون من أجلها توجد ربما اغرب مدينة، مدينة "شَبام".. مدينة ناطحات السحاب.. تخيّل ذلك.. نعم في شبام هناك مبان طينية شامخة يصل ارتفاعها إلى 7 طوابق، بُنيت قبل قرون لحماية سكانها من الفيضانات والغارات.. وربما شبام اليمينية هي من علمت مانهاتن الأمريكية كيف تبني ناطحات سحاب!!

لكن نحن أجيال الهزيمة، جعلونا نعتقد دوما أن الحضارة تبدأ من عندهم وتنتهي عندهم، رغم أن حضارات الشرق هي من صنعت تاريخ البشرية عندما كان الفايكنغ يقتلون دون هوادة و الهنود الحمر يعيشون في سلام قبل أن تأتيهم اللعنة من البحر!

لتعيد إنتاج العقدة التاريخية ككل مرة وككل حادث في التاريخ.. من لا تاريخ له يرغب دائما في تدمير أصحاب التاريخ!

وهذا تاريخ اليمن وحضارته ونبوغها وسعادته.. فما تاريخكم؟!

وانا أتابع التطوّرات الأخيرة تذكرت أبيات للشاعر اليمني الجميل قيس عبد المغني يقول فيها :


‏لا أريد البكاء
لكن
" أشتي أبكي..!"
هكذا بلهجة البنّ المريرة
لست حزينا
لكنني.. يمني
وهذا أفدح الأحزان
في الآونة الأخيرة!

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات