"لا تقولي إنك خائفة".. أو قصة العداءة الأولمبية الصومالية، سامية يوسف عمر، التي ابتلعها "المتوسّط" في رحلة عبور على مركب متهالك نحو حلمها في الشمال.. حلم المشاركة في أولمبياد لندن 2012 !!
عندما كتب قصتها الكاتب والصحفي الإيطالي "جوزبه كاتوتسيلا" في رواية نالت شهرة واسعة وترجمت لعدة لغات، اختار أن يكون عنوان الرواية "لا تقولي انك خائفة" مع صورة فراشة على الغلاف.. عنوان مستلهم من جملة قالها لها والدها عندما كانت الحرب الأهلية والإرهاب الأسود يلتهم "مقديشو" ويجبرها على الركض متخفية في الليل..
سألت سامية والدها هل يخاف الحرب، ليجيبها بجدية :
"لا تقولي أبدا إنك خائفة يا صغيرتي سامية، وإلا فإن ما تخافينه سيكبر حتى يهزمك"
روت سامية لاحقا ما قاله والدها وهي تشارك في أولمبياد بكين 2008.. فذلك الأولمبياد ركضت سامية بكل ما تملك من ذرة قوة، حاولت ان تهزم الخوف والحرب والإرهاب وان تجعل وجه الصومال الحزين يبتسم ولو لمرة..
سامية تلك الفتاة الفقيرة التي لم تؤمن بها إلا والدتها لم تفز في أولمبياد بكين لسباق 200 متر ولكن كل العالم نظر لها بإعجاب كرمز لتحدّي ظروف قاهرة ..
تلك العداءة الصومالية كانت تمنّي نفسها بأنها قد تفعلها في أولمبياد لندن لاحقا وتنتزع ميدالية.. عادت الى الصومال وواجهت الأهوال وتهديدات القتل من الجماعات الإرهابية و ظلّت لأشهر تركض سرّا وفي الليل بعد أن تم تدمير الملعب الذي تتدرب فيه.. كان أولمبياد لندن حلمها الكبير !
ومن اجل حلمها سارت مشيا لألاف الكيلومترات حتى تصل ليبيا وسجنت هناك في ظروف مأساوية قبل أن ترسل لها عائلتها المال لتحرير نفسها واشتغل في أعمال حقيرة من اجل أن تظفر بفرصة الصعود في قارب هجرة... ولكن عندما حدث كل ذلك غرقت بأحلامها في المتوسط !!!!
لم يهزمها خوفها بل هزمها وطنها.. وما ابشع الأوطان عندما تهزمك وتغدر بأحلامك..
نهاية صادمة لحلم أولمبي لم يستوعبها حتى كاتب قصتها "لا تقولي انك خائفة".. واخترع في روايته نهاية تليق بالحلم.. توجت سامية بالذهب في لندن وفق النهاية التي تخيلها "كاتوتيسلا".. فالمفروض ان لا تغرق الأحلام بل تحلق في السماء...
ولكن في قصة سامية عمر الحقيقية لم يبق إلا حلما مبتورا وملامح حزينة لفتاة نكّل بها الوطن قبل أن تنكّل بها الحياة.
وأحلام شباب بن قردان تشبه أحلام سامية..
ذلك الشاب الذي شقّت صرخته المتوسط وهو يرى جثة أخيه تطفو بهدوء على ظهر الماء كان يشتم أحلام أخيه في لحظة احتراقها الأخيرة..
بن قردان تلك المدينة الجميلة والهادئة التي ظلت لعقود تبتلع آلامها أصبحت مدانة اليوم لأنها غضبت.. وكيف لا يغضب و يثور من عاش في الحرمان والتهميش والحڨرة..
الى شعب المنسيين تنتمي بن قردان.. ذلك الشعب الذي قفزت على أحلامه، ما يسمّى بالدولة الوطنية، وتجاهلت وجوده وتركته يواجه مصيره لعقود وحده.. لم تمنحه ابدا الاهتمام و لم تهتمّ بأوجاعه وفعلت كل الأنظمة اللاحقة نفس الشيء..
في 2010 غضبت بن قردان ومهّد غضبها لشيء كبير سيحدث لاحقا وبعد بضعة اشهر فقط..
ولكن حتى الثورة خذلت بن قردان ولم تنصفها..
ومع ذلك بقيت بن قردان هادئة.. تحبّ الوطن دون أن تنتظر مقابل.. وعندما اختبرت في حبّها.. كانت هبّتها عظيمة.. لتمسح العار الكبير على وجه دولة لم تعترف بها لا اقتصاديا ولا تنمويا…
بصدور عارية خرج أبناء بن قردان لمواجهة اخطر مشروع داعشي إقليمي.. وصنعوا ملحمتهم في الصمود والبطولة... تهافتت وقتها الكاميرات والسياسيين ورؤوس الدولة على بن قردان وقدّمت الوعود الكاذبة بسخاء... ولم يحدث شيئا.. فقط الدولة تمارس هواية الكذب مجددا على شعب المنسيين !!
حتى المخيال الشعبي ظلم بن قردان.. "الكناترية لاباس عليهم" .. وكأن الكناتري مهنة.. وكأن ذلك الشاب الذي يعبر الحدود تحت تهديد رصاصة مباغتة انجز أحلامه بالكونترا..
عندما حلّت المهزلة وعجزت الدولة على إيجاد حلول لمعابرها الجنوبية وتركت القصة معلقة ككل حياتنا التي أصبحت مبنية للمجهول، لم يبق لذلك الشباب المهمّش والمنسي إلا البحر ليعبر من خلاله بأحلامه.. يهرب بها كبضائع الكونترا.. فهذا الوطن لم يعد وطنا للأحلام..
وعندما انتهى الأمر بفاجعة.. يقف الجميع ليشاهد حزن بن قردان دون أن يفعل شيئا لتخفيف عنها ومواساته في مصابها.. فحتى مخزون الأكاذيب نفذ كما نفذت كل المخزونات وأصبحت حياتنا معدّلة على المفقودات !!!
اليوم بن قردان غاضبة ومحتجة،، غضب يشبه غضب أهلها،، واحتجاج يليق بآلامها وتجاهلها وتهميشها.. غير مطلوب من بن قردان أن تتصرف بلياقة مع من لا يستحي.. ولا مطلوب منها أن تبتسم في حزنها..هي فقط هي غاضبة وغضبها يجب أن يُحترم.. احذروا غضب الحليم اذا نفذ صبره.
بن قردان لا تستجدي.. ولا تتزلّف من اجل العدم.. هي تقف بجرح مكابر لتقول كلمتها.. ولتتكلّم باسم شعب الهامش..
ونحن أبناء الهامش.. أبناء الحڨرة والنسيان.. يصابون بالصدمة عندما نصرخ وكأن قدرنا أن نبتلع آلامنا ونصمت..
لو صدقت الوعود التي منحها الباجي والحبيب الصيد بعد الملحمة لرأينا اليوم بن قردان أخرى.. لرأينا مدينة اقتصادية متطورة جدا و محطة عبور حدودية في غاية التقدّم ومنفذ بحري يمكن ان يكون لاحقا بوابة إفريقية حقيقية…
ولكنهم يكذبون.. الجميع يكذب..
في الهامش تعاقبت أجيال..
كلها ركضت لمسافات طويلة من اجل إقناع هذا الوطن أننا موجودون ولسنا عالة عليه.. أننا لسنا ادنى درجة حتى يكون اهتمامه بنا ادنى درجة.. والجيل الحالي كان شاهد عيان على ذلك الركض وذلك الاستنزاف.. تحفظ ذاكرته كل تلك الوعود الكاذبة وذلك التجاهل الرسمي.. لذلك لم يعد يقاتل من اجل أن يعترف به الوطن..
ما فعله انه جمع كل أحلامه في حقيبة ظهر صغير وهرب في قارب يدرك انه قد يغرق بعد ساعات... فضّل أن يدفن في قاع المتوسط على أن يُدفن في تراب الوطن!!
و تلك ذروة التراجيديا…