إيطاليا التي لم تعد تحبّنا…

في الوقت الذي ننكمش فيه نحن في ركننا القصّي من المتوسط في حالة خمول سياسي وديبلوماسي، تركض الأحداث من حولنا بشكل رهيب وتتغيّر المعادلات والحسابات الإقليمية والعلاقات الدولية، في ثانية!

في أسبوع واحد لم تعد "روما" حليفنا المفضّل، بعد أصبحت "بروتوس" الذي يسدّد الطعنات !! طعنات ناعمة لا تحدث جرحا مباشرا ولكن تُحدث أثرا..

فبعد حملة "البديل السياسي" التي قادتها صحيفة il foglio الإيطالية ،تدخل اليوم صحيفة la Repubblica الإيطالية الأكثر انتشارا، الحملة، ليس لتنخرط في تزكية البديل بل للحديث عن التضييقات عن الحريات المقموعة في تونس من خلال تصريحات المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة. ..

وفي نفس الأسبوع، يصل عبد الحميد الدبيبة، إلى العاصمة روما في زيارة رسمية وتستقبله جورجيا ميلوني في قصر " كيجي" من اجل تعزيز الشراكة الاستراتيجية..

وطبعا كانت الهجرة غير النظامية على الطاولة والخطوة الأهم هنا تركيز بداية العمل "الآلية الرباعية" (التي تضم ليبيا وإيطاليا وتركيا وقطر) لمكافحة شبكات التهريب وتعزيز مراقبة الحدود..

يعني بالفلاڨي حزام اقتصادي ومالي كبير ظفرت به ليبيا مقابل دورها في حراسة البحر من اجل عيون السيدة ميلوني وليس مجرد اتفاق ثنائي !! يعني ليبيا تحمي نفسها وتعزز دورها بمشروع "حماية اقليمي" لا يستهان به (تركيا وقطر يضمنان الاتفاق)

كما نجح الدبيية في اقتلاع اتفاق هام، فميلوني التي لم تهدأ منذ أزمة الطاقة بسبب الحرب على ايران وهي تلهث يمينا وشمالا بحثا عن بديل للغاز و جدت في مساعدة ليبيا على "تطوير حقل البوري" لضمان استقرار الإمدادات الي إيطاليا بأكثر أريحية وبعيدا عن غرور الجزائر وانتكاسة الغاز القطري.. هذا معنى ما يسمّى البراعة السياسية في اقتناص الفرص.. واعتقد أن الدبيبة احسن كذلك اقتناص الفرصة وثبّت نفسه سياسيا ضمن "مسار روما" أمام منافسه حفتر ومسار واشنطن!

"حقل البوري" الذي خسرنا حقنا المحتمل فيه في تلك اللحظة التي أصاب فيها الدولة الهرم وانشغلت بالسجون وقمع الناس والتضييق على الحريات في بداية الثمانينات عوض الدفاع عن مصالح الدولة الاستراتيجية.. !

وهاهي اليوم السيدة ميلوني تقفز علينا في المتوسط وتذهب لبحث عن شراكات جديدة مع "الجيران" دون ان نجني شيئا من اتفاقات سابقة إلا إضافة مشاكل جديدة لمشاكلنا، ملف المهاجرين الأفارقة ما زال يراوح مكانه دون رؤية واضحة، خط ألمد غير واضح لا التفاصيل ولا الملامح وطبعا اليوم حقل البوري سيكون أولوية إيطالية وربما لاحقا أوروبية !!

وفي نفس الوقت تغيير كامل في المزاج الإيطالي ..

إيطاليا التي صمتت دهرا لم تنطق اليوم كفرا.. بل هي فقط بدأت تمسكنا من اليد التي تؤلمنا لأننا بالنسبة لها مرحلة وانتهت..

ولكن كدأب الأوروبيين التي تريد اليوم ميلوني قيادتهم واستغلال وهن بقية القادة، قد يصمتون عن كل الانتهاكات ما دامت سياساتك لا تزعج ولا تشوّش على مصالحهم.. ولكن اذا تغييرت المصلحة يتغيّر المزاج فورا !

وميلوني تريد ابعد من روما، تريد أوروبا وحتى تكون المرأة القوية في أوروبا والعالم يجب أن يكون لها نصيبا من صنع القرار في جنوب المتوسط وفي إفريقيا !

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات