هذا اليوم هو يوم للإحساس بالخذلان والخيبة والخجل.. فلا أصحاب المهنة احترموا مهنتهم وأخلاقياتها وضوابطها وشرفها و لا الجمهور احترمها و راقبها بوعي ودعم الجادّ منها لتكون في النهاية ملاذه من كل بطش.
لا تكفي أن تحمل بطاقة احتراف أو أن تكون منخرطا في النقابة لتكون صحفيا، أن تكون صحفيا يجب أن تكون كذلك في عمقك، في إحساسك بجسامة مسؤوليتك في هذا المجتمع، أن تفهم دورك بالضبط وتقف في المكان الصحيح، بعيدا عن أي ظلّ!
وان تنجح في التمايز مهنيا عن بقية الأدوار في المجتمع، فانت لست فنّانا ولا سياسيا ولا ناشطا ولا نقابيا و لا معارضا ولا مفكرا الخ.. ففي ذلك التمايز توضيح لمجال عملك، لأن كل هؤلاء في النهاية هم أدوات ومحاور في عملك.
أن تكون صحفيا يعني انك ملزم بالحقيقة مهما كان الأمر ضدّ أفكارك أو قناعاتك الذاتية ، ملزم بالدفاع عن الحقوق والحريات بالأساس لأن كينونتك تتشكل من الحرية ولا وجود لك في غيابها، ولو وقفت لثانية في صفّ الظلم معنويا تفقد الصفة ، أنت "قوة الأضعف" دائما في مواجهة أي قوة غاشمة وجائرة..
الصحافة مهنة، يمكن أن تتأثر في ممارستها بأفكارك الخاصة ولكن الصحفي الجيد من ينجح في بناء مسافة متينة من الموضوعية، الحياد لا يوجد في الصحافة، فلا يمكن ان تنزع ذاتك منك لتكون محايدا، ولكن الموضوعية شرط أساسي، وفي بعض الملفات التي لها علاقة بحقوق الناس الثابتة يجب ان تكون منحازا بالضرورة.
وان تكون صحفيا يجب أن تكون على يسار السلطة أي سلطة وفي كل زمان ، لا اجتهادات في هذا الأمر، لان مهنتك خُلقت لمراقبة تلك السلطة و هي في وضع اشتباك وعلاقة نقدية معها منذ الأزل، واذا انخرطت يوما في التلميع وتجاوزت دورك المهني في التعامل معها، فأنت تتخلّى آليا عن صفتك المهنية وتنخرط في البروباغندا !
الصحافة مهنة مرهقة على جميع المستويات ولكنها مهنة نبيلة لا تفتح لك قطعا أبواب الثراء ولكنها تمنحك قوة خطيرة وهي "قوة التأثير" واذا لم تفهم هذه القوة وتتعامل معها بحذر شديد وضمير حيّ يمكنك أن تدمّر بها مجتمعات..
و هذا ما فعله الاعلام في مرحلة الانتقال الديمقراطي عن حسن أو سوء نية، عن تخطيط أو عن نقص تجربة في الحرية، لكن في النهاية كانت النتيجة كارثية، واليوم انسحب الجميع ولم يتركوا إلا الخراب والطناجر.
تلك الحرية العظيمة خذلها كل واحد منّا بطريقة ما ولو بتفاوت ولكن هناك من أجرم وجريمته لن تسقط بالتقادم !