في حكاية احمد السعيداني.. أو في "توبة بروتوس" المزعومة !

فاتني التعليق على خبر تمتّع أحمد السعيداني ب"العفو الخاص" لانشغالي بأشياء أهمّ.. ولكن أنا لن اترك أبدا حكاية أحمد السعيداني وسأعود للتذكير بها دائما، واخترت أن اسميها حكاية، لأني اعتقد أنها الحكاية الأكثر اختزالا وتعبيرا عن هذه المرحلة في كل أبعادها.. تختصر أفكارها و تمظهراتها ومآلتاها وتسقط كل سردياتها في نفس الوقت!

في مسرحية "يوليوس قيصر" صوّر "شكسبير" ندم بروتوس على غدره بالقيصر، بدقة كبيرة، وهو الذي كان بالنسبة له "أبّ روحي".. وسمّي ذلك الندم في الأدبيات اللاحقة ب "توبة بروتوس" حيث برّر " بروتوس" انضمامه الى "مؤامرة" الإطاحة بالقيصر، بحبه لروما وخوفه من تحول قيصر إلى حاكم مستبد.. و طبعا هنا نحن لا نقارن بين ما لا يقارن اصلا ولكن نستأنس بالتاريخ لتفسير بعض تراجيديا الراهن التي تلامس الملهاة.

وانا اذكر عند اعتقال احمد السعيداني ، كتبت تدوينة استهليتها بهذه الجملة:

"اعذروني إن لم ابلغ بعد درجة من الوعي والتسامي الإنساني لكي أتعاطى مع ملف أحمد السعيداني كملف إنساني و حقوقي فقط يندرج في اطار الحق في حرية التعبير وتحت بند المبادئ التي لا تتجزّأ..." وقد لامني أصدقاء كثر لأني لم اندفع عاطفيا واعلن تضامني المطلق معه لأنهم اعتبروه" ضحية "أيضا…

ورغم اني في تلك التدوينة شرحت موقفي وما أنا مقتنعة به تماما هو ضرورة تنسيب الأمور والنظر اليه من زاوية" المسؤولية السياسية "دون غيرها.. بمعنى" كيف تريدني أن أدافع عن حقك وأنت لم تؤمن به كحق لك ولغيرك ولم تبذل أي جهد لحمايته بل باركت سابقا قولا وفعلا كل الانتهاكات التي طالت ذلك الحق"

ولم اعتقد للأمانة أن يكون احمد السعيداني ذاته هو من سيدعم موقفي حال مغادرته السجن بتلك التدوينات !!!

في تلك التدوينة تمنيت له محاكمة عادلة ولكن ما ناله فاق أمنياتي وليس توقعاتي... غادر بعفو خاص وكنت على يقين انه سيغادر قبل انتهاء المدة ولكن توقعت حكما لصالحه وليس عفوا ناله هو ويحرم منه البقية في تأكيد جديد أن "دولة عمر" تسير بعدالتين.. وان الإنصاف غير متاح لكل مظلوم!

غادر السعيداني مؤكدا انه في السجن تمت معاملته "معاملة الملوك" - والعبارة له-، معترفا في نفس الوقت بوجود معاملة تمييزية في السجن (طلب أن تعمم معاملة الملوك التي حظي بها على بقية السجناء في الإعاشة وظروف الإقامة) ، وهنا أسأل فقط لماذا يعامل احمد السعيداني معاملة خاصة جدا - كما قال - في السجن والبقية لا.. لماذا يستقبل في بوشوشة بتأثر كبير بلغت حدّ بكاء أحد الأعوان عند رؤيته - والرواية كما وردت في تدوينته - والبقية لا.. هل هناك من بكى أعوان بوشوشة من أجله عند إيقافه ؟؟

هل لأنه "موظف تشريعي"- الصفة التي منحها دستور الاستفتاء لنواب- أم لأنه ابن المسار الذي ضلّ الطريق وفي انتظار عودته الى رشده يجوز له ما لا يجوز لغيره.. هذا دون نسيان أن اغلب المساجين السياسيين حرموا حتى من الزيارات المباشرة وتم منع أبنائهم من رؤيتهم لأشهر !!

إثبات اخر أن "دولة عمر العادلة " فكرة هلامية لا وجود لها في الواقع وان وجدت فهي ليس في خدمة كل التونسيين ولكن في خدمة "الفرقة الناجية" فقط أما البقية فلا بأس من التنكيل بهم دون أدنى رادع.

جملة أخرى لفتت انتباهي في تدوينة السعيداني، عندما دعا عن استحياء الى الانفتاح على القوى الوطنية (طبعا السعيداني متمسك بآلية الفرز الوطني وباحتكار الوطنية مثله مثل من يشبهونه) و هي الجملة التي اشترط فيها على المعارضة حتى تكون معارضة وطنية و"كيوت" هو :

" أن تتجه نحو معارضة الخيارات و التصورات لا في اختزال المسالة الوطنية اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا في شخص الرئيس"..

وهي جملة تدرّس في المهادنة السياسية وقول الشيء ونقيضه، حيث أن السعيداني يعلم اكثر من غيره أن الرئيس بقوانينه ودستوره و حتى بالعفو الذي منحه له يختزل ويتحكّم في كل الخيارات والتصورات وان لا مسائل تناقش بعيدا عنه.

في البداية كانت ما يسمّي بالمساندة النقدية التي انتهت الى مسخرة دون ملامح واليوم احمد السعيداني و بعض "المجموعات اليسارية" التي تهافتت على لحظة 25 جويلية أملا في ان تنال بالاستبداد ما لم تنله بالديمقراطية والصندوق الذي لا يقصي إلا من أقصاه الشعب ألا وهو بلوغ السلطة !

قلت اليوم بعد أن بات هذا المسار يحرجها في ابسط ادبياتها ويكشف انعزالها حتى عن الأفكار التي تستظلّ بها باتت تسوّق لما يسمّي ب "المعارضة من داخل مسار 25 جويلية".. ماذا يعارضون داخل المسار.. يعارضون كل شيء إلا الرئيس صاحب المسار وصانعه ومؤثثه ومحتكره .

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات