الحبّ زمن التوحّش و الاستبداد

في زمن التّفاهة و الرّداءة و الانحطاط و فساد الذّوق و الذّائقة، في زمن المشاعر المعلّبة و العلاقات الباردة السّطحية الهشّة و الحبّ السّائل كما عبّر عنه زيجمونت بومان، لن تجد كافكا آخر و هو يبوح لميلينا بتلك الكلمات:" ما أشعر به ليس حبّا يا ميلينا ،أو قد يكون حبّا و لكن ليس كما تتخيّلينه! إنّه أكبر من ذلك! أنا الآن من دون روح...من دون إحساس و من دون أيّ شيء ! صدّيقيني يا ميلينا أنت روعة الأشياء اليابسة، و أنت الحياة لكلّ جذوري اليابسة."

و لن تجد جبران آخر و هو يراسل مي زيادة فيقول:" أنت تحيين فيّ و أنا أحيا فيك".

و لن تتكرّر رائعة غابرييل غارسيا ماركيز" الحبّ في زمن الكوليرا"، و لن تجد شبيها لليو تولستوي و هو ينسج رائعة آنا كرينا، و بالطّبع لن تجد روميو و جولييت، باريس و هيلين و لا قيس و ليلى.

في عصر جليدنا المتأخّر و الرّقائق الإلكترونية الّتي عوّضت رقائقنا الطّبيعية و زمن الذّكاء الاصطناعي الّذي قريبا سيحوّلنا إلى كينونات مصطنعة بالكامل، روبوتات بليدة مستلبة العقل و المشاعر و حيث صار الإنسان سلعة تعرض في متاجر التوحّش و فقد الحبّ صفته النّقية كعاطفة متوهّجة متّقدة مغموسة بقيم نكران الذّات و التّضحية ، ليتحوّل إلى حميميّة مصطنعة مشروطة تذوب أمام أوّل احتكاك بأيّة عقبة.

ذاك هو المشهد العام الانطباعي المهيمن مع هيمنة و تصدّر التّفاهة الّتي يبدو أنّها انتصرت كما يستنتج "ألان دولو"، لكن توجد دوما استثناءات، هناك دوما نقاط مضيئة وسط كلّ هذه العتمة.

هناك قصص لم ترو لأناس حافظوا على إنسانيّتهم و ما زالت مشاعرهم لم تلوّث و لم تبلّد و مازالوا يقدرون على الحبّ.

و هناك قصص لم تكتب بالحبر أو بالنّقر على لوح الكتابة في الحواسيب أو الهواتف، بل كتبت بالدّم و الدّمع و الألم ، هناك روائع كان من الممكن أن تكون في مستوى روعة قصص الحبّ الخالدة و في قيمة ما كتبه السّابقون لو وجدت من يحبكها و يحكيها.

قصّة الشّهيدة سماح مرعي العرابيدي الّتي استشهدت و هي تدافع عن زوجها و أبنائها، عن عرضها و أرضها لتصعد إلى بارئها بعد نفاذ آخر طلقة من رشّاشها.

و قصّة دينا عزّت المصريّة الّتي دافعت عن زوجها الّذي اعتقلته أجهزة القمع المصرية ثمّ دافعت عن نفسها لمّا حاولوا اعتقالها و تمكّنت من تسجيل و نشر مشهد اعتداء دولة الاستبداد على المقهور المستباح و تمكّنت في النّهاية من فضحهم، لتثبت أنّ الأرنب بإمكانها التغلّب على الدّيناصور حتّى و لو كان لاحما متوحّشا كتيرانوصور ريكس.

وقصّة الاستاذة منية ابراهيم مع زوجها الأديب عبد الحميد الجلاصي.

و قصّة جواهر شنّة مع زوجها وائل نوّار.

و قصص الكثير من مساجين الرّأي مع رفقاء ورفيقات دربهم.

إنّه الحبّ زمن التوحّش و الاستبداد.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات