ربّما يأتي جيل من بعدنا يستحقّ الحياة

لا أحد مازال يذكر فضيحة المنتخب الوطني الأخيرة، في لحظة ما تشكّل رأي عام أجمع على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها و إقالة المكتب الجامعي و تعالت الأصوات لأجل كشف ما جرى و في لحظة استنتج الجميع بأنّ خللا ما في الإدارة و البرمجة و التصرّف و التّسيير كان وراء الفشل الذّريع ، و اتّجهت أصابع الاتّهام مباشرة نحو أعضاء مكتب الجامعة و رئيسها و الوزير ولمن منّا كان أكثر جرأة نحو من نصّب الوزير.

و الحلول كانت سريعة و ناجعة، تركيز على بعض المشاكل بين اللّاعبين في حجرات الملابس، إبراز نرجسية المدرّب و استعلائه ليتمّ استبداله خلال المسابقة بآخر فرّ بجلده لاحقا، تضخيم غياب بعض اللّاعبين المنتمين إلى الفرق المحلّية و تحويل المعركة إلى صراعات بين الفرق الكبرى بعناوين جهويّة.

و هكذا مرّت العاصفة و بقي الفريق الجامعي و رئيسه و الوزير و من نصّب الوزير و كأنّ شيئا لم يكن، ليتواصل الفشل.

و عندما بدأ يتشكّل رأي عام منتقد للسّلطة وبدأت تبرز نواة متجاوزة للأيديولوجيات، تشخّص الواقع و تطرح حلولا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حرّكت المياه الآسنة الرّاكدة و حفرت فجوة أمل في جبل اليأس القائم، التجأت السّلطة لنفس الحلول الّتي لا تملك غيرها، الامتصاص، التّمييع، التّضليل عبر الدّعاية السّوداء و التّوجيه و الإلهاء.

هذه السّلطة لم تكن فاشلة في كلّ شيء، هي ناجحة أيّما نجاح في التحكّم و توجيه من تتسلّط عليه، هي تفهم جيّدا سيكولوجية الإنسان المقهور و ربّما قرأت جيّدا مسرحية العاصفة لشكسبير و مزرعة الحيوان لجورج أورويل، و الهروب من الحرّية لايريك فروم و سيكولوجيا الجماهير لغوستان لوبان و نظام التّفاهة لآلان دونو و كتاب الأمير لميكيافيلي .

هي تعلم أنّ الجمهور يخاف من حرّيته، لأنّ في ذلك اراحة له من عبء الاختيار، من ثقل التّفكير و من مسؤولية النّتائج، و تستشعر أنّ من تستعبده، يستمرئ قيده و يتحوّل من مدافع مكره عن عبوديته الى مؤمن حقيقي بها،و هي تعرف أنّ جزءا من الجمهور سيدافع عن ظلم جزء آخر و سيصفّق و يرقص و يصرخ مطالبا بمزيد من الظّلم و قد يعتبره ضروريّا و من يمارسه ليس بظالم بل أب رحيم صارم خبير بمصلحة أبنائه.

عندما اتّجهت إبرة البوصلة نحو قطب المشاكل الحقيقية، المسؤولة عنها السّلطة القائمة دون نسيان ارث من سبقها، يختلق مجال ممغنط آخر يجعل الإبرة ترتعش و لا تستقرّ على وجهة!

مجتمع هشّ و أفراده جزيئيّات من الغبار تذروها الرّياح و توجّهها حيثما تريد.

بقدرة قادر تغيّب الأزمات المركّبة الّتي تعيشها البلاد في أبعادها السّياسية و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و تستحضر مشاكل أخرى تضخّم و تقدّم و تصبح الهمّ الشّاغل للرّأي العام.

هكذا يصير لباس المرأة و علاقتها بالرّجل و مجلّة الأحوال الشّخصية و تعدّد الزّوجات هي المواضيع الحارقة الّتي تشغلنا و الصّراعات تتحوّل فيما بيننا في المسائل الهوويّة و الأخلاقيّة و كأنّنا نجحنا في إيجاد ثغرة و منفذ للانسداد العام الّذي نعيشه و أوقفنا أو كبحنا سرعة انهيارنا و سقوطنا في منحدر بلا قاع.

لا أدري كيف كنّا نعلم بتلك البوسة الشامية، أو بلباس المشاركات في مهرجان صيفي محلّي في قليبية لولا التّوجيه و التّضخيم قصد الإلهاء، ثمّ كيف لبعض حرّاس الأخلاق لم تتحرّك فيهم نفس المروءة أمام سجن الأحرار و الحرائر و شيوخ بعضهم تجاوز سنّ الثّمانين!

أين هؤلاء أمام انتهاك كرامة شعب بأكمله ينكح ليلا نهارا؟

ثمّ ما علاقة ذلك بالنّقاش المحموم حاليا حول مجلّة الأحوال الشّخصية و حقوق المرأة و تعدّد الزّوجات؟

يستفزّ بافلوفيا طرف فيستجيب الطّرف المقابل و تقرع طبول حرب داحس و الغبراء من جديد لتقف السّلطة المتسبّبة في المأساة على ربوتها و هي تضحك على ذقون السذّج من يستثارون غريزيّا و من بعضهم جلّ اهتماماتهم في أعضائهم التّناسلية!

سوف أصارحكم برأي قد لا يعجب البعض، أنا مع منع تعدّد الزّوجات بل كنت أتمنّى لو تمّ منع الزّواج بجميع أشكاله إلّا بعد التثبّت من أهلية من سيبنون عائلة وإنسانا سليما.

ربّما حينها لما وٌجدت و لما وجد الكثير منّا و لما عشنا هذه التّفاهة و هذه المأساة.

نحن الشّعب العظيم الّذي لا يتجاوز تعداده إثنا عشر مليونا (نصف عدد سكّان القاهرة و عدد من يقطنون في حيّ من أحياء بيكين أو شنغهاي) لم نستطع أن نتعايش و أن ندير خلافاتنا و نحلّ أزماتنا(القابلة للحلّ لو توفّرت إرادة و عقل) فماذا سيكون وضعنا لو كنّا خمسين مليونا أو يزيد؟

أنا مع تغيير بعض ما جاء في مجلّة الأحوال الشّخصية في اتّجاه منع الزّواج و التّناسل حتّى ينقطع نسلنا، نحن جيل الهزائم و الانكسارات و الحروب الوهمية، ربّما يأتي جيل من بعدنا يستحقّ هذه الأرض و يستحقّ الحياة.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات