زمّورنا التّونسي و "الاستيطان الإجّاصي"

عادي أن يشعر الإنسان العادي بالقلق و التوتّر و ينظر بعين الرّيبة إلى ظاهرة تزايد أعداد الافارقة في ظرف عصيب و في أرض ضاقت بمن فيها و لا تتحمّل المزيد من الأعباء و ما فيها يكفيها ، و من الطّبيعي و المعقول أن تطرح أسئلة معقولة حول حقيقة الظّاهرة، هل هي عفوية أم بفعل فاعل تنفيدا لمخطّط استيطاني هدفه احداث تغيير ديمغرافي عميق يجهز على وطن هو أساسا في حالة الخطر الشديد ،و إذا كان ذلك صحيحا فمن وراء هذا المخطّط و كيف السّبيل لمواجهته؟

و من الطّبيعي أن تبرز في مناخ الحقد و الكراهية أصوات الموتورين و هي تنضخ عنصرية و هي افرازات عادية في الشعبويّات و الفاشيات الّتي لا يمكنها الوجود و الاستمرار إلّا في حالة الارتباك و الاحتراب و الخطر الدّائم و العدوّ المتربّص على الأبواب و الّذي حتّى و إن لم يوجد عفويّا فسيقع اصطناعه و استحضاره كبعبع يواجه به كلّ من حاول توجيه الجهود لمعالجة مشاكل البلاد الحقيقة.

الخطر الوجودي مسألة وجودية بالنّسبة للأنظمة الفاشية الشعبوية الشوفينية،تتعدّد أشكاله و يتلوّن كالحرباء ليكون إرهابا حسب الطّلب أو جوعا و فقرا يتهدّد الجميع، أو فوضى قد تأتي على الأخضر و اليابس، أو فصيل يشيطن و يخوّن تلصق به جميع المصائب ،أو استيطانا إجّاصيا كما في حالنا هذه بعد أن جرّبت جميع الأشكال السّابقة.

من الضّرورة بمكان لدى الأنظمة الشعبوية الفاشية الّتي تفتقد للعقل أن تحكم من ليس لديه عقل أو في حالة من الرّهاب و التوتّر الدّائم الّتي تمنعه من أن يلتجئ إلى عقله،و تبقيه في مستوى ردود الفعل الغريزية الباڤلوڤية البدائية،فكيف لمن يعيش ضائقة الفقر و يتهدّده الموت أن يلج رحابة الفكر أو أن يكون فاعلا و مؤثّرا في شأن عام صار لا يعنيه بقدر ما يهمّه تأمين قوته و الحفاظ على حياته المهدّدة في كلّ حين ليتشبّث بمن يقدّم نفسه منقذا و حاميا حتّى و لو سلبه حرّيته و انتهك كرامته و أفقده إنسانيته!

في الغالب تجري عمليّات التوجيه و السّيطرة هذه في مختبرات صنع القرار و الرّأي و تقدّم في صيغة تجعل من الحاكم يسيطر على المحكومين و يوجّههم غريزيا دون أن يسقط في نفس ردود الفعل المتشنّجة البدائية و هو ما لم يقع في حالتنا التّونسية إذ تبنّت السّلطة القائمة نفس الخطاب العاطفي المتوتّر و الّذي لا يقلّ عنصريّة عمّا يصدر في صفحات التواصل الاجتماعي و عمّا يتداول في المقاهي و الأسواق.

بيان رئاسة الجمهورية يتساءل مثلنا عن الظّاهرة في حين كان أولى به أن يشخّصها و يقيّمها و يواجهها و يطمئن جمهورا متوتّرا تنامت فيه مشاعر الحقد و الكراهية و العنصريّة الّذي استثمر فيها النّظام ليخرج منّا أسوأ ما فينا.

نفس الجهة هلّلت في 3أوت 2021 بمشاركة عشرات الافارقة في احتفالية النّظام رقصا و غناء و هتافا بحياة القائد: يهيا كيس سعيل!

جهات تلقّت أموالا من الخارج هي من وراء المؤامرة! فمن هي هذه الجهات و من هو هذا الخارج ؟ و الأهمّ ما هي الخطوات العمليّة لمعالجتها؟

خطاب عنصري قد لا يتجرّأ إريك زمّورعلى صياغته و تبنّيه فلا تستغربوا إن وقع معاملتنا بالمثل في بلاد المهجر و تمّ سحل مغتربينا خصوصا المتواجدين على غير الصّيغ القانونية أو طردهم أو قتلهم و لا تستهجنوا تصاعد النّزعة العنصريّة تجاههم و قد أظهرنا عنصريّة فاقت ما لديهم.

الاستبداد الإجّاصي الّذي يتمّ تضخيمه و الاستثمار فيه هو كذلك لتنمية مواهبنا الابداعية في الحقد والاستعلاء و رفضنا للمختلف الآخر و تأهيلنا لمرحلة أكل اللّحوم البشرية الوافدة أو المحلّية.

زمّورنا التّونسي تجاوز زمّورهم الافرنجي و هو كخطر دائم و جاثم لا يمكنه التواجد و الاستمرار إلّا في ظلّ الخطر الدّاهم.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات