صغيرا كانت تستهويني لعبة الغمّيضة و حينما كبرت قليلا صرت من عشّاق الغموض، كنت التهم قصص الألغاز و أحاول أن أسبق تختخ و لوزة في حلّها، و حينما كبرت أكثر صارت روايات أغاثا كريستي محور اهتمامي فلم أترك لها كتابا إلّا و قرأته.
تواصل عشقي للغموض و الإثارة إلى يومنا هذا بعد أن صرت استمع الى بعضهم و هم ينادونني بعمّي الحاج و صرت أقرأ في عيونهم عدد سنيني.
و لحسن حظّي في زمننا هذا، زمن الرّخاء المبعثر، أنّني لم أعد احتاج للبحث عن كتاب أو فلم لإشباع رغبتي الغامضة المتعطّشة للغموض بحكم أنّنا صرنا نعيشه و نتنفّسه، غموض صار يشمل أدقّ تفاصيل حياتنا و تطال من له علاقة بإدارتها، تتولّد الأسئلة المبهمة و تتوالد لتبقى دون إجابات ؟
متى سينقطع الماء؟ هل سينقطع الكهرباء؟ هل توفّر الدّواء؟ هل ستتواصل موجة الغلاء؟ إلى متى ستتواصل الأزمة؟ هل بمقدورنا الصّمود و البقاء؟
• من يحكم حقيقة؟
• ما حقيقة مرض من يحكمنا؟
• كيف صار الإنجاز أن يظهروه و هو ما يزال على قيد الحياة؟
• إلى متى ستتواصل لعبة الغمّيضة و سيستمرّ كلّ هذا الغموض؟
لا اعتقد أنّ هذا الغموض هو اعتباطي بل هو مقصود.
كلّ الأنظمة الشّمولية المستبدّة تمارس لعبة "التّغميض"، و هي تصنع لها زعيما تحيله بهالة من الغموض إلى حدّ أن يتساءل العامّة هل هو كائن مثلها، يأكل و يشرب و يتغوّط و يمرض و ربّما يموت، و قد تضيف إلى الخلطة خيالا ممزوجا بالقداسة تجد له متلقّين كثرا ممّن صاروا عاجزين عن التّمييز بين الحقيقة و الخيال و بين الخطإ و الصّواب فيتلقّفون كلّ إشاعة أو خبر لا يتقبّله عقل بعقل منقاد غير قادر على النّقد.
هذه الأنظمة الشّمولية المأزومة لا تستطيع إلّا أن تنتج الأزمات و هي لا تستمرّ إلّا في مناخ الأزمات و لا يمكنها أن تمارس سلطتها إلّا في جوّ مشحون ،ضبابي و غامض، تختلق الأعداء و تستدعيهم و تؤزّم المؤزّم و تلوّث الملوّث ثمّ تعرض نفسها المنقذ و المخلّص من واقع بئيس هي من أنتجته.
وهي من تحتاج من حين لآخر لأن تظهر بأنّ كلّ شيء على مايرام، عبر دعايتها المضلّلة، و أرقامها المزيّفة، و أبواقها و طفيلياتها المتمعّشة.
كلّ شيء على ما يرام، فالزّعيم يتنفّس و قادر على المشي، و تواتر انقطاع الكهرباء صار أقلّ و انقطاع الماء صار طبيعيا و مقبولا، و ندرة الدّواء و ارتفاع سعره قد جعل البعض يلوذون بالدّعاء، كلّ شيء على ما يرام، ألم تروا جحافل من الكتل المنساقة وهي تتدافع في طوابير طويلة لتفوز بمقعد أو بصورة أو بقبلة من شبه فنّان يعتقد أنّ فيها لمن يتلقّاها كلّ الشّفاء!
لخّصت الرّائعة حنّة أرندت كلّ الصّورة حينما قالت"تستغلّ الأنظمة الشّمولية المأزومة الأزمات و الدّعاية المضلّلة و الواجهات الوهميّة لإخضاع الشّعوب، و هي تعيد صياغة الواقع عبر شعارات برّاقة و أكاذيب منظّمة تخفي وراءها"تفاهة الشرّ" و خراب البنى السّياسية."
و لكي نصمد و نبقى وسط هذا الغموض القاتل و لا تتحقّق نهاية رواية أغاثا كريستي"ثمّ لم يبق أحد"، لنستمتع مع الشّامي و السّويح و البرني و "هو و إلّا لا" و لنأخذ نفسا عميقا ثمّ نردّد ثلاث مرّات:"كلّ شيء على ما يرام".