أكره مدينتي صيفا و أحبّها شتاء، هكذا شعوري و قد تعوّد على رحلة الشّتاء و الصّيف، متقلّب و في بعض الأحيان غامض، كأن أحسّ بتفائل في محيط يدفع للتّشاؤم.
أمّا عن دوافع هذا التّفاؤل فهو مجرّد إحساس خفيّ لا أجد له تفسيرا، ربّما لأنّ الزّبى قد امتلأت بالسّيل أو أنّ الأشياء قد بلغت حدّها.
مستبشر لثلاث، أولاهم حراك بعض أهالي المهدية و احتجاجهم على العطش و فقدانهم لحقّهم في الماء و في الحياة و إيقاف البعض منهم ليتمّ الإفراج عنهم لاحقا، ثانيهم أغنية الأمن و الأمان الّتي صدحت بها صوفيّة أصيلة ولاية المهدية على مسرح الحمّامات، أمّا ثالثهم فالاحتفاء بذكرى رابعة الّتي وقعت في القاهرة الّتي كما تعلمون من بناها هو من أسّس مدينة المهدية.
أمّا عن أهالي المهدية فهم كما تعلمون مسالمون جدّا حتّى أنّنا كنّا نراقب احتجاجات 1978 و انتفاضة الخبز 1984 و كأنّنا على كوكب آخر، و قليلة هي الاحتجاجات الّتي شهدتها المدينة خلال أوّل التّسعينات و بداية الألفيّة الثّانية خلال العدوان الأمريكي على العراق، و لم تتحرّك بانتظام و بزخم نسبي إلّا أيّاما معدودة قبل سقوط رأس النّظام السّابق، لذلك كنت دوما ما أدّعي بأنّها هي من أسقطته لأنّها آخر من تتحرٌك و آخر من تحتجّ!
أمّا عن صوفيّة و قد ارتدت فستانها البنفسجي فأغنيتها الأمن و الأمان تحيلنا إلى "بشرة خير" الّتي يغنّيها الإماراتي حسين الجسمي و هي على ما يبدو سلاح فتّاك ما صدحت بها الأبواق في مكان إلّا و وقعت فيه مصيبة!
و "بشرة خير" هذه تحيلنا إلى "تسلم الأيادي"، تلك الأيادي القذرة الّتي قتلت بدم بارد مئات من المصريين المسالمين في أكبر مجزرة عاشتها مصر في التّاريخ الحديث منذ ثلاثة عشر عاما، ذكرى أريد لها أن تنسى فإذا بها تستحضر و كأنّها وقعت للتوّ، تذكيرا لمن يعوّلون على ذاكرة السّمك بأنّ مثل هذه الجرائم لا تنسى و لا تسقط بالتقادم.
و بالعودة إلى ما جرى بالمهدية تحديدا في المدينة العربي برج الرّأس فإنّ من أوقفوا كانوا إثنتا عشر فردا منهم تسع قصّر احداهنّ افتكّت من حضن أمّها في منزلها، أمّا عن التّهم الموجّهة إليهم فكانت إبداء رأي لأجل تكوين وفاق إجرامي و دفع المواطنين إلى التقاتل قصد تغيير هيئة الحكم، تهم تجعلهم يصعدون في صاروخ في اتّجاه ما وراء شمسنا و خارج مجرّة التبّانة، تسلم الأيادي الّتي كتبت مثل هذه التّهم في حقّ مجموعة أغلبها قصّر احتجّوا على حقّهم في توفّر الماء، لكن هل هي فعلا أياد تكتب و تقدح من رؤوسها أم تخطّ على الورق ما يتمّ عليها الإملاء!
هناك حاليا يد واحدة تكتب و فم واحد ينطق و هو من يصدر أحكاما بالموت ثمّ يتفضّل بفسخها و تعويضها بأخرى للحياة، كالنّمرود و هو يحاجج سيّدنا ابراهيم إذ قال له أنا أحيي و أميت.
فرعون عصرنا و نمرود عصرنا هما نسختان مشوّهتان للأصليين، ففرعون قد دخل في مناظرة مع خصمه موسى يوم الزينة و النمرود قد حاور و حاجج سيّدنا ابراهيم أمّا من نعاصرهما فلا حوار و لا محاججة و لا سؤال و لا جواب.
فرعون عصرنا يعتقد بأنّ تحصيناته ستحميه من لعنة الدّماء لكن تناسى أنّ لكلّ فرعون موسى كما لكلّ نمرود بعوضة.
شرّفني أن قابلت إحدى أمّهات الموقوفين و هي منهارة و تبكي بحرقة، هدّأت من روعها و همست لها:"كنت أتمنّى أن لو كان ابنك ابني!"