ركنت سيّارتي بسرعة و دلفت إلى المقهى بخطوات أسرع و عيناي تمسحان المكان بحثا عن صديقي الٌذي واعدته منذ أسبوع، كنت على غير عادتي شديد الحرص على أن أكون في الموعد المحدّد فإذا به على غير عادته لم يصل بعد.
صديقي ستّيني أحيل مؤخّرا على شرف المهنة، موظّف في إحدى الإدارات أفنى عمره في الخدمة ليشغل نفسه الآن و يدير الدّورة الدّموية كما يقول ببعض الأعمال الفلاحيّة في أرض صغيرة ورثها عن والده.
صديقي محترم جدّا و منظّم إلى حدّ الهوس ،مواعيده مقدّسة لذلك أقلقني مجرّد تأخّره لبعض الدّقائق ليعظم قلقي مع دوران عقارب السّاعة الجدارية المقابلة و الّتي استحوذت على اهتمام عيني و لم يفد معها رشفات من قهوة طويلة سوداء و لا نفخات من سيجارة بيضاء و لا تصفّح للأخبار عبر الشّبكة العنكبوتية الزّرقاء، انتابتني الهواجس للحظات لتنقشع مع رنين هاتفي و هو يعتذر عن التّأخير مبرّرا إيّاه بإهداره الكثير من الوقت في البحث عن صبّابة.
بقدر ما طمأنني اتّصاله بقدر ما صدمني، صبّابة يا صديقي؟
ما حاجتك بهم؟ و كيف تهدر جهدا للبحث و هم حولك و قد خبرتهم و كانت لك معهم حكايات بعضها رويتها لي و أخرى جعلتها طيّ الكتمان؟
ألم يكونوا سببا في تجميدك في مرتبة مهنيّة كنت جديرا بأن تحصل على أفضل منها بدرجات حتّى صرت كدفتر مغبرّ في أرشيف تحت الأرض؟
ألم يجرجروك إلى البحث ليحقّقوا معك حول سجّادة كنت تخفيها في درج مكتبك؟
ألم يكونوا سببا في مساءلتك حول دفاعك عن زميلة كانت تغطّي رأسها بفولار أرادوا إجبارها على نزعه؟
ألم يقولوا فيك ما لم يقله مالك في الخمر، حول استقامتك المريبة، و جدّيتك المفرطة و عدم استجابتك لإغراءاتهم و قلّة حماستك في الترحيب بالمسؤولين و اعتذاراتك لحضور حفلات الرّدح و التّطبيل؟
صبّابة، وشاة، مخبرون ، قوّادون، بصّاصون، ما حاجتك إليهم صديقي و كيف لم تعثر على واحد منهم و هم حولك و صاروا يمارسون هواياتهم بكلّ صفاقة و بوجوه مكشوفة بل صاروا يطالبون بحقوقهم كاملة من أجر و بطاقات معالجة و جرايات تقاعد و تعويضات عن سنوات "نضالهم" السّابق و الّذي لم يعيّر بعد بكم سيكون كيلوغرامه!
أرأيت صديقي، بعد مدّة ستمارس الصبّابة كمهنة "محترمة" و ربّما على شكل شركات أهليّة بعد أن أثبتت التجربة نجاحها في المجالات الأخرى حتّى صرنا مثالا يحتذى به في العالم أجمع بعد أن أوجدنا حلولا لنا و للبشرية جمعاء.
صراحة صدمت و استغربت حدّ الذّهول لأصحو على صوت صديقي و هو يصافحني مبتسما و هو يقول:"لقد وجدتها أخيرا صبّابة أصلية مناسبة لمحرّك سيّارتي، المعذرة كلّ المعذرة على التّأخير".