أشدّ من القتل

قتل كاليغولا أخته دروسيلا معلنا تحوّلها إلى آلهة ثمّ أصدر مرسوما يجرّم من يبكيها لصفتها الجديدة تلك و آخر يعاقب كلّ من لا يبكيها لأنّها أخته!

كما أصدر مرسوما في مرّة أخرى يلاحق فيه كلّ من يحتفل بذكرى معركة أكتيوم الّتي انتصر فيها الامبراطور الرّوماني السّابق و في نفس الوقت مرسوم ثان يعاقب كلّ من لا يحتفل بتلك الذّكرى باعتبار ذلك مسّا من هيبة الامبراطورية،يعني في النّهاية هو قاتلك..قاتلك،و هو أسلوب حكم عبّر عنه صراحة بقوله:"أنا أقتل إذا أنا موجود".

هذه السّفسطة و هذا العبث المقرون بالقتل و استباحة الآخرين هو نتيجة طبيعية لأيّ حكم سلطويّ فرديّ مستبدّ و هي عناصر ثابتة شوهدت على مرّ العصور بصور و بنسب مختلفة.

فالمستبدّ المتسلّط من لا يجد له رقيبا أو محاسبا ينتج في النّهاية عبثا و فشلا و يتحوّل حتّى و إن لم يرد ذلك أو يقصد ذلك إلى قاتل متسلسل وإن لم يسفك دماء أو يقطع رؤوسا فقد فعل ذلك و أكثر.

فالعبث و اللّاجدوى ثمّ الفشل الذّريع هي نتائج حتمية لأيّ عمل يقوم به المنفرد برأيه المغرور المتعالي ،من لا يسمع سوى لطنين رأسه و وساوس المحيطين به من منتفعين و انتهازيين و متسلّقين من يزيّنون له أفعاله و يستغلّون عقده و يدفعون به إلى الهاوية.

المستبدّ المتسلّط حتّى و إن ابتدأ بممارسة السّلطة بعقل فإنّه في النّهاية ينتهي بأن يفقد عقله، هو جنون السّلطة حينما تكون مطلقة و بقبضة فرد واحد. و لا غرابة في ذلك فالسّلطة المطلقة هي بالضّرورة مفسدة مطلقة لمن يمارسها و من تمارس عليه.

أمّا القتل فليس بالضّرورة بقطع الرّؤوس و نصب المشانق، فقد يكون بطيئا و معنويّا و هو أشدّ و أنكل من القتل الصّريح المباشر بما يخلقه من معاناة مزمنة و وجع دائم.

فما أشدّ وطأة أن تقتل الأمل و رغبة الإنسان في الحياة الكريمة و تذيب شغفه و تطفئ بريق عينيه، أو تسلب حرّية كلّ منتقد أو صاحب رأي مخالف و كلّ من يغرّد خارج سرب المسبّحين بحمد السّلطان، أشدّ من القتل هو التطبيع مع الفقر و الجهل و الفشل و نشر البؤس و اليأس.

أفظع من القتل أن تقتل الإنسانية في الأفراد و تجرّدها منها و تحوّلها إلى كائنات هجينة متوحّشة تستطيب نهش لحوم بعضها البعض، مشحونة متوتّرة مستنفرة، ذات ردود أفعال بدائيّة غريزيّة، انفعالية سطحيّة توجّه عن بعد و تقاد كما القطيع.

أشدّ من القتل هو نشر ثقافة القتل و العنف و لو كان رمزيّا، و تمزيق النّسيج المجتمعي بما يخلق من شروخ قد يصعب رتقها، هو التّشجيع على التّباغض و كلّ القيم السّلبية من شماتة و حسد و كراهية و حقد وأنانيّة و بحث عن الخلاص الفردي و قتل قيم التّسامح و التّعايش و التّحابب و نكران الذّات و التّكاتف و التّعاون في قضاء الأمور و مواجهة المصير المشترك.

أشنع من القتل الّذي مارسه كاليغولا و نيرون و ايڨان الرّهيب و كلّ الطّغاة على مرّ العصور، هو ذاك الّذي يمارس علينا ،يقتل الإنسان فينا و يقتل كلّ أمل في التّغيير.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات