لو حالفنا الحظّ و عدنا بعد رحلة التّيه إلى الدّيار

زمان، يقول حكيمنا و هو من القلّة الّتي نجت و احتفظت ببعض من عقلها، لا ندري منذ متى ،يقال منذ سبع، و لا ندري إن كانت أيّاما أو شهورا أو سنوات أو قرونا، و قبل أن تفكّ البراغي الّتي تربط الطّبقة التكتونية لأرضنا بقارّتنا و بكوكبنا الأزرق لتنفصل و تندفع لتسبح في الفضاء كقشّة لا ترى، و تخرج عن المجموعة الشّمسية و مجرّة درب التبّانة و تستقرّ هنا في حضن المرأة المسلسلة أندروميدا، زمان يهمس حكيمنا و هو يلتفت يمنة و يسرة و كأنّ للحيطان آذانا ، كان لنا عقل و كان السّؤال ممكنا و كانت الأفكار تتفسّح طليقة عارية دون أن يوقفها عسس أو يتحرّش بها البصّاصون و كانت الكلمات تتدفّق كأنهار جارية، خصبت بها الأرض و اخضرّت بعد بوارها فأنبتت من كلّ شيء، حتّى من نبتة الحرّية الغالية، أكل منها الجميع، لاكها الجميع و شربها عصيرا ،و ثمل بها الجميع، ثمّ لفظها و تقيّأها و تبرّزها و تبوّلها الجميع، من التّخمة و قلّة الدّربة و الاستعجال و مكر الماكرين و السّحرة أصبنا بالإسهال و الهذيان و الرّعاش و الرّهاب و تهافتت علينا الأيادي من الدّاخل و الخارج كتهافت الجوعى على قصعة واحدة.

زمان كانت لنا حياة حيّة صاخبة، لم تكن جنّة و لم تكن نارا، كانت بين هذه و تلك، مستقرّا ممكنا للإنسان. كانت نقطة ضوء في محيط من العتمة، و مشروع واحة في صحراء قاحلة مشروع أقضّ مضاجع أصحاب الصّحاري المجاورة فاجتمعوا عليها و هم من لاتجمعهم سوى الخشية على كراسيهم الفارهة.

زمان، لم تكن الأيّام هادئة، كانت معاول الهدم تعمل ليلا نهارا، و قصف الوعي لا ينقطع على مدار السّاعة و كلّ الجهود منصبّة لإعادة الإنسان إلى اسطبل الدّواب، و لقد نجحوا في ذلك بعد أن أوصلونا إلى مرحلة كره الذّات و الكفر بالفكر و للتّغيير و بكلّ ما له علاقة بالدّيموس و القراطوس و ڤينيس و المنطق و السّياسة و أهلها حتّى صرنا نعتبرها هرطقة و هراء.

لم نكن ندري أنّ ما كان يجري، كان أمرا طبيعيّا، دردرة و فوضى لا بدّ منها في مرحلة ما قبل الاستقرار و اكتمال البناء.

زمان، في تلك الفترة الّتي أسبغ عليها من خرّبها لون السّواد فصارت كذلك لدى السّواد، و بكلّ هنّاتها و زلّاتها، كان بإمكان المريض أن يجد الدّواء، و عندما تفتح الماسورة يتدفّق الماء، و عندما تضغط على الزرّ تبرّد و تنار الأجواء.

و كان بإمكان أيّ كان أن يقاضي السّلطان الّذي لم يكن في نفس الوقت هو القاضي و هو السجّان.

كان السّلطان، مثلنا يشبهنا، فيه بعض من ضعفنا و دنسنا و ذكائنا و غبائنا، يخطئ و يصيب و ينتقد كأيّ كان و لم يكن يدّعي أنّه نصف إله أو كائن خارق من كوكب آخر، من يمسّ هيبته يرمى وراء القضبان.

زمان و في لحظة يأس اخترنا أو ربّما هيّئ لنا أنًنا اخترنا من لا يشبهنا بعد أن اقتنعنا أو أقنعونا بأنّنا جميعنا مرضى و على يديه سيكون الشّفاء، لتجدنا نحلّق عاليا و نتيه في الفضاء و لا ندري إن كان مقامنا في مجرّة المرأة المسلسلة سيطول أو ربّما ستلفظنا و تدفعنا إمّا إلى أرضنا في الكوكب الأزرق أو ربّما بعيدا لتبتلعنا الثّقوب السّوداء.

زمان، يختم حكيمنا ليس حنينا إلى ماض لن يعود بل توق إلى حاضر يبني مستقبلا أفضل ممّا كان، بالاعتبار و تجنّب ما وقع سابقا من أخطاء، لو حالفنا الحظّ و عدنا بعد رحلة التّيه إلى الدّيار.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات