أعلم أنّ ما فينا يكفينا، و أنّنا جميعا نحتاج لجرعة فرح في ظلّ كلّ هذا الخراب و سيل الأخبار الحزينة ، دمار حسّي و روحي قتل الإنسان فينا.
أمحّص في الأخبار العامّة فلا أجد فيها سوى ما يعمّق ندوبنا و يبكينا، موت، فقر، عطش، ظلمة، ظلم، أمواج متلاطمة و رياح عاتية و تيه للسّفينة.
لا أدري ما الّذي أصاب هذا البلد، كيف تحوّل الى كتلة من اليأس و الألم و الأحقاد الدّفينة؟
أتقوقع و أبحث فيّ ما يجعلني قادرا على مواصلة السّير فتعترضني أخبار تعنيني، أتردّد في مشاركتها معكم، لكن ربّما بعض ما يعنيني قد يحدث موجات إيجابية و يصبح يعنينا!
منذ أسبوعين عثرنا على السّلحفاة المائية "دوسي" بعد أن اختفت من "الأكواريوم" لمدّة يومين لتجدها زوجتي في الحمّام و تعيدها إلى جوار أختها "دوسينا".
منذ أيّام تأكّدت من أنً قطّي "فيليب" قد تقبّل وجود القطّة الوافدة الجديدة "فلّة"صحبة صغارها، و قد تنازل عن كلّ الحديقة الخلفيّة لمنزلنا في حركة لا تصدر إلّا عن كبار القطط مثل القطّ الّذي لدينا.
بالأمس أرسلت إليّ حفيدتي عائشة من الدّوحة قبلات في شكل فرقعات خفيفة لامست روحي ،و بحركاتها اللّطيفة كانت تشير إلى الموضع الّذي أسألها عنه، أين عينك؟ أين أنفك؟ أين أذنك؟ كانت لا تخطئ و تفعل ذلك بعد تأنّ، و ما أسعدني أكثر اجابتها بكوكوكوكو عندما أذكر لها الدّيك، و وك وك وك عندما أنطق بطّة و مو مو عند ذكر البقرة.
نظرة إلى حفيدتي تخفّف من وجعي و توقظ أملا في نفسي و تنعش روحي و تعيد إليّ شغفي و تلهمني قدرة على الصّمود و الوقوف حتّى و لو سقط الآخرون.
عائشة علّمتني كيف أحبّ، و في تعليمها لي ستتعلّم أيضا كيف تحبّ، و هي تعيد تدريبي على التأمّل و التّفكير و بالتّأكيد ستتعلّم كيف تفكّر ،قلبا قادرا على الحبّ و عقلا يفكّر، و يكفي ذلك لخميرة إنسان سويّ يختلف عمّا تنتجه منظومتنا من سايكوپاتيين و موتورين.
عائشة بعيدة عن أجوائنا الموبوؤة و لا تتنفّس هواءنا الملوّث بالحقد و الكراهية و الضّغينة، ستكبر يوما و تعود الى وطنها و ستسأل أمّها أو أباها أو جدّها أو جدّتها إن بقينا، عن اسم الحقبة الّتي يحكى عنها ككابوس لم يعشه السّابقون، عن ذاك القوس العابث و النّفق المظلم الّذي حشر فيه وطنها طيلة سنين.
ستتساءل عمّا أوصلنا إلى مثل هكذا قاع و كيف تكاثرت مآسينا.
صغيرتي، ذاك لظلمنا لأنفسنا و ذاك ما كسبت أيدينا.
لكن صدّقينا، لأجلك عائشة سنبقى صامدين.