أنا اليوم لست كالأمس، و بالأمس لم أكن كالّذي قبله، و في اللّحظة الّتي تلي هذه اللّحظة لن أكون كما كنت، أشياء كثيرة تتغيّر، فيك و حولك ،قد لا تشعر بها لكنّها تتغيّر ببطء أو بسرعة، بهدوء أو بصخب، ليتغيّر المشهد و يتشكّل و يموت القديم و يولد الجديد.
قد تجلس في نفس المقهى على كرسيك المعتاد في ركنك الّذي ألفته،في الشّارع لن تشاهد نفس الوجوه حتّى و إن تراءى لك ذلك، هناك تفاصيل قد لا تنتبه إليها و هي حاسمة و تجعل الصّورة مختلفة عن الّتي كنت تشاهدها بالأمس أو لحظات قبلها.
هناك وجوه جديدة و وجوه قديمة بتفاصيل جديدة، هناك من يبتسم و كان مكفهرّا و هناك من يكفهرّ بعد أن كان يبتسم و هناك من يسارع الخطى لأجل استخراج بطاقة ميلاد لمولود جديد و آخر متّجه لأجل نيل شهادة وفاة لقريب.
هناك من سيدخل إلى المستشفى و هناك من سيخرج منه و هناك من سيصرخ صرخته الأولى و هناك من سيصرخون عليه الصّرخة الأخيرة!
حتّى من اعتاد أن يقدّم لك قهوتك الصّباحية و اعتدت عليه لن يكون دوما كما كاختلاف مع زوجته قد يؤثّر على مذاق قهوتك و قد يؤثّر على مزاجك.
أذناك لن تسمعا نفس الأغاني و نفس الأصوات و نفس الأخبار، خبر مزلزل بحرب كونيّة قادمة هو بنفس تأثير تحوّل يرقة إلى فراشة في غابة الأمازون.
عيناك لن تشاهد نفس الصّور، يكفي أن تقتلع شجرة كانت في الجهة المقابلة للمقهى و تغيب العصافير الّتي كانت تقيم فيها أعشاشها ليتغيّر كلّ المشهد.
و أنفك لن يشتمّ نفس الرّوائح فيكفي أن تفيض بالوعة مجاري صرف صحّي مع هطول الأمطار لتكتشف ذلك.
و يداك لن تلامس الأشياء بنفس الكيفيّة و نفس الحرارة.
و عقلك لن يتعامل مع نفس المعطيات، هناك دوما وضعيات مختلفة و متغيّرة حتّى و أن بدت ثابتة.
جسدك ليس كما كان و لن يكون مستقبلا كما هو كائن الآن، هناك خلايا تموت لتولد أخرى، هناك سوائل تتجدّد، هناك نموّ و هناك نكوص و هناك حياة و هناك موت و هناك دورة لكلّ هذا إلى أن يسكن الخطّ و يغيب التردّد و تنتهي الحكاية.
عقلك ضرورة لن يكون كما كان، خبرته في التّعاطي مع المعطيات بالضّرورة ستزداد و نظرتك للأشياء و حكمك عليها ليست كما كانت ،قد تصل إلى مرحلة تحتفظ فيها بجهدك و لا تستهلك نفسك في معارك لا جدوى منها و قد تتوصّل إلى أنّه لا وجود لانتصارات كاملة مطلقة، و لا وجود لأجوبة يقينيّة شافية لجميع ما يطرح من أسئلة و أنّ الحقيقة ستبقى عصيّة على الحصر أو التملّك و أنّ مساحة جهلك تتّسع كلّما تقدّمت في المعرفة لتعلم في النّهاية أنّك لم تعرف شيئا.
أنا لست كما أنت و نحن لسنا كالآخر، كلّنا نسخ فريدة منفردة، متغيّرة في كلّ حين، تتشكّل باستمرار.
لا يمكنك أن تعرّفني تعريفا ثابتا و دائما و لا يمكنني بالمقابل أن أفعل لك ذلك، لذلك يصعب التّصنيف و التّنميط، و من الحيف الحديث عن جوهر ثابت لا يتغيّر ما كنّا معرّضين للمتغيّرات ،نحن دوما في احتكاك و لقاء و تفاوض مع المعطيات، قد نطرد بعضها و نحتفظ ببعضها الآخر و نترك أخرى في قائمة الانتظار.
ذواتنا، هويّاتنا، ماهيّتنا تتشكّل باستمرار لتعيد إنتاج نفسها في شكل جديد، فينا في نفس الوقت الأصيل الثّابت و الدّخيل المتغيّر ، فينا أنانا و بصمة الآخر، في عالم شبه مفتوح شبه مغلق تماما كما في غلاف الخليّة.
الانغلاق الكامل يعني التكلّس و الضّمور و الموت كما الانفتاح التّام يعني التمطّط و الإغراق و الاندثار و الموت.
نحن جملة من التّفاعلات في عمليّة مستمرّة لإنتاج الذّات و لا يمكن تصوّر ذلك دون إنتاج المعنى.
هكذا نحن دوما ،كينونات ديناميكية جديدة تتشكّل في فضاءات اللّقاء و الاحتكاك و التّفاوض و الاختلاف.
فلا تتسرّع بتعريف نفسك و تصنيفها و جعلها رقما جامدا ميّتا في سجلّك لتحتفظ به في ركن منزو من ذاكرتك كما يحتفظ بنا كذلك في سجلّاتهم المدنيّة أو لدى المخابرات العامّة، و لا تمارس نفس الشّيء بالنّسبة للآخرين.
اذا كانت الحقيقة عصيّة على الحصر و التملّك فما بالك بمن يسعى في دربها.