حتّى لا نتحوّل جميعا إلى وحوش

في كلّ منّا وحش كامن، مارد نائم في قمقمه، ظلمة سالبة جاذبة تبتلع أنوار إنسانيتنا. و السّؤال ليس كيف نتحوّل إلى وحوش و ما أسهل ذلك لكن كيف نحافظ على إنسانيّتنا في عصر التوحّش؟

لا يوجد أكثر توحّشا من إنسان يتجرّد من إنسانيته، و مصارعة الوحوش خطيرة و قد تكون قاتلة لما بقي فيك من إنسانية لذلك يقول فريدريك نيتشة :"في صراعك مع الوحوش الحذر أن تتحوّل إلى وحش" و نيتشة من يقرّ بضراوة المعركة يترجم ابتهاجه بنجاحه في إبقاء البعض منه حيّا بقوله: "ارموا الورود في الهاوية و قولوا هذا شكري للوحش الّذي لم ينجح في ابتلاعي حيّا".

ما أيسر صناعة الوحوش و ما أصعب استعادة الإنسانية بعد خلعها!

السّلطة المتوحّشة غالبا ما تلجأ إلى هذه الصّناعة و تنصّب نفسها على أعلى قمّة التوحّش لتوجّه وحوشها الصّغيرة لافتراس من بقي متمسّكا بإنسانيّته في غابة توحّشها.

هذه الصّناعة كان لا بدّ لها من روافد أخرى كصناعة الخوف و الوهم لإدارة التوحّش.

أيّ سلطة مستبدّة لها وحوشها، ممّن تجرّدوا طواعيّة من انسانيتهم، تملّقا و طمعا أو ممّن كانوا ضحايا لنظام التوحّش و تطبّعوا بواقع تحوّل في مخيالهم إلى قضاء و قدر، و كلّما حاول أحدهم النّجاة إلّا و وجد سلطعونا يجذبه إلى القاع.

هؤلاء من خلعوا رداء إنسانيتهم يصوّر إليهم أنّ من بقي يصرّ على ارتدائه هو خارج مجال الإنسان، مخلوق أدنى أو غريب أو خائن أو يمثّل خطرا وجوديا ليصبح قتله معنويّا ثمّ مادّيا أسهل نفسيّا و أخلاقيّا.

استباحة ثمّ إبادة و هذه لا تحتاج إلى سلاح ،هي تبدأ بالكلمة، بابتسامات السّخرية الصّفراء السمجة باللغة، بالخطاب حينما يوصف الآخر بأنّه حيوان أو جرثومة أو ورم سرطاني أو خائن أو فاسد أو متآمر على الوطن و ولاءه للخارج أو صهيوماسوني أو منافق أو كافر، ليصبح خطرا وجوديا يجب محاربته و اجتثاته و يصبح العنف ضدّه مبرّرا بل إنّه مشروع للتّصفية بدم بارد و بكلّ راحة ضمير باسم الوطن أو الدّين أو الايديولوجيا.

فماذا لو كان خطاب الكراهية و الحقد و التّقسيم و التّخوين يصدر من أعلى قمّة السّلطة و ماذا لو تستعمل كلّ أجهزة السّلطة الصّلبة و أبواقها و نتاج صناعتها من وحوش موتورة مثل هذا المنهج و الخطاب؟

الإنسان العادي سيصبح مشروع قاتل و مآل هذا الطّريق هي مجازر قد ترتكب مثلما وقع في رواندا بين الهوتو و التوتسي أو مثلما وقع في مصر بعد انقلاب 30يونيو حيث صاروا يتغنّون بنحن شعب و انتم شعب لتكتمل بالرّقص على نغمات "تسلم الأيادي" و هم يقتلون و يحرقون جزء من الشّعب بمباركة جزء آخر، و قبل الإبادة كانت الاستباحة، استباحة الإنسان و تجريده من إنسانيته، سنوات هرسلة و وصم للمخالفين بالخرفان و الخرفان لا يصلحون إلّا للذّبح!

قد يمكن تجاوز بعض الأزمات المعيشيّة مهما كانت خطورتها لكن الأخطر هذا التمزّق المجتمعي الّذي نعيشه و الّذي يصعب رتقه، و هذه النّدوب العميقة الّتي قد تبقى و قد لا يمكن إزالتها.

لكن هل مواجهة هذا التوحّش و الوحوش يكون بنفس أدواتها؟ و هل يمكن خوض هذا الصّراع دون فقدان إنسانيّتنا؟ أظنّ أنّ الحذر واجب و التمسّك بالضّوابط الأخلاقية ضروري حتّى لا يتحوّل الجميع إلى وحوش، و ذاك ما يسعى إليه الوحش الأكبر.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات