يشكل المفكر العربي ابن خلدون علامة فارقة في ثقافة " مواجهة الذات بموضوعية صارمة "،فعند تشخيصه للمجتمع العربي وضع الأساس لنظرة تشاؤمية حول "الشخصية العربية" من خلال ثلاثة أبعاد مركزية هي البداوة والعصبية والدين، وتتضح قسمات هذا الثالوث الخلدوني في أقواله التالية: أن " العرب اكثر الأمم توحشا وبداوة وأبعدهم عن العمران الحضري ، بل هم اقل المجتمعات اهتماما بالصناعة والمهن"، ثم يقول" أن العرب ابعد الأمم عن سياسة المُلك ، وهم اصعب الأمم انقيادا لبعضهم البعض بسبب خُلق الكِبر والمنافسة ، ولكنه يشير لبعد آخر - تأكيدا لازدواجية الشخصية العربية حكاما ومجتمعات- فيقول حرفيا" أن العرب لا يحصل لهم المُلك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو اثر عظيم من الدين...وبدونه يصعب عليهم تأسيس دولة مستقرة ،" وينتقل للبعد الثالث في الشخصية العربية وهي "العصبية" فيقول "العرب من اكثر الناس حفظا لأنسابهم التي تشكل أساس التماسك في ظل غياب سلطة مركزية ".
تُرى الى أي مدى لا تزال مؤشرات الحاضر العربي تعزز ثلاثية ابن خلدون"البداوة والعصبية والدين" ؟ فالمؤشرات وبالحساب الكمي تدل على أن البداوة وبمفهوم ابن خلدون "وحدود سياقه الاجتماعي " أوسع من حيز الجغرافيا الصحراوية بل هي تتسع الى "الأقل عناية بالتصنيع " ، وفي وقتنا المعاصر فان مؤشر "الصناعة التحويلية " هو مقياس الحضرية ، وهنا نجد أن المقارنة بين العرب وغيرهم تشير الى أن مؤشرات نسبة الصناعة التحويلية في إجمالي الناتج المحلي العربي هي (11% ) بينما تبلغ في المجتمعات الحضرية الصناعية حوالي 23%، أي أن نسبتها في العالم العربي هي اقل من نصف معدلها في الدول " الصناعية"،
فإذا انتقلنا الى البعد الثاني في ثلاثية ابن خلدون وهي العصبية فان توزيع المكاسب والتعيين والترقية وتقديم الامتيازات المستندة لعلاقات القرابة والنسب تصل حسب اكثر من عشرة دراسات أكاديمية(منها رسائل جامعية وتقارير لمنظمات دولية ) في الدول العربية الى اكثر من 39 ضعف معدلها في المجتمعات الحضرية الصناعية ، كما أن نسبة القربى في بنية السلطة السياسية بين شاغلي أهم الوظائف في إدارات صنع القرار الاستراتيجي العربي هي الأعلى في العالم دون أي منازع ،
أما ثالثة الأثافي في النموذج الخلدوني فتتمثل في الدين ، وهنا يكشف البحث العلمي الموضوعي أن اقوى الأحزاب –حتى مع تزوير الانتخابات – في العالم العربي هي الأحزاب الدينية، كما أن " التوظيف البراغماتي للرموز الدينية مثل تواجد أماكن دينية مقدسة أو علاقات قربى مع رموز دينية تاريخية أو استخدام مفردات التوصيف الديني لمناصب عليا معينة ..الخ تشير الى محاولة بناء الشرعية السياسية أو شرعية المكانة الاجتماعية بالاتكاء على الرموز الدينية بمستوياتها المختلفة وتأويلاتها بغواية عالية "، وفي هذا المقام، تشير الدلالات الكمية الى أن عدد الدول في العالم التي تنص دساتيرها أو نظمها التأسيسية على دين الدولة أو دين الحاكم أو اعتبار الدين مصدر رئيس للتشريع هو 43 دولة من بين 199 دولة جرت دراستها، أي أن النسبة عالميا هي 21.6%، بينما النسبة بين الدول العربية هي 90.9%، أي اكثر من أربعة أضعاف النسبة العالمية.
فإذا أضفنا لما سبق بعدين آخرين اتضحت المسافة الفاصلة بيننا وبين التطور الحضاري، وتبين أن " اللاوعي الصحراوي" يكبل الضرورة التكيفية مع اللاوعي الحضري ،أما البعد الأول هو فقدان " المركز للإقليم العربي"، فمن بين 28 منظمة إقليمية جرى قياسا لنشاطاتها تجاه إنجاز أهدافها تبين أن الجامعة احتلت المرتبة 26 في إنجاز الأهداف(أي في قاع القائمة)، وهو امتداد للشلل التام لاتحاد المغرب العربي(لم يعقد اجتماع قمة منذ ابريل 1994-أي منذ 32 سنة)، وللتطاحن الصامت أحيانا والمُدوي أحيانا أخرى بين دول مجلس التعاون الخليجي التي ما تزال قيم الصحراء بمدلولها الجيوطبيعي تحدد مضامين الوعي واللاوعي لها ، ثم الغياب شبه التام لدور مصر "كدولة مركز " وبفعل معاناتها في تثبيت هذا المركز الذي قاومته دول عربية بشراسة في مراحل سابقة ولا تبدو قيادتها المعاصرة وتوجهاتها السياسية تواقة لهذا الدور القيادي أو مؤهلة له .
من الواضح أن كل ما سبق ، يعزز فكرة ابن خلدون عن صعوبة العرب للانقياد ، وهو امتداد لتنقل تاريخي للمركز القيادي في التاريخ العربي ،والذي يتجسد في تنقل العاصمة للدول العربية الإسلامية من الجزيرة العربية(فترة الخلفاء الراشدين) الى دمشق( فترة الأمويين) ثم الى بغداد (فترة العباسيين) ثم الى القاهرة (فترة الفاطميين ...والقائمة تطول).
أخيرا، عندما نشرت دراستي حول نموذج مقترح لقياس السيادة واستقلالية القرار، عملت بعدها على تطبيق النموذج عربيا ، فتبين بوضوح بعد القياس أن الإقليم العربي يقف بالمقارنة مع الأقاليم الجيوسياسية الثمانية الأخرى في العالم واستنادا لمقارنة خمسة مؤشرات مركزية (توزعت الى 25 مؤشرا فرعيا) في ذيل القائمة، إذ أن معدل السيادة والاستقلال العربي سجل أقل من 35%.
رحم الله ابن خلدون…